حجية كل منهما مقيدة بالبناء على الالتزام بمؤداه ، فمع عدم البناء على الالتزام
بمقتضاه لا يكون مشمولا للحجية .
وهذا معنى معقول ثبوتا فيمكن ان يحمل عليه ما ورد من أدلة التخيير بين
الدليلين في بعض الموارد ، بلا حاجة إلى تكلف تأويل له بالحمل على التخيير في
المسالة الفرعية ، كما هو الحال لو لم يثبت تعقل التخيير في المسالة الأصولية .
الا ان هذا النحو لا يجدي فيما نحن فيه ، إذ لا يرفع التنافي بين الدليلين عرفا -
كما في التخيير في المسألة الفرعية - ، إذ لا يستلزم التصرف بمؤدى كل منهما بنحو
يرتفع التنافي ، بل كل باق على مؤداه ، فلا وجه للالتزام به في المورد الذي نحن فيه .
ومع عدم تعقل تلك الانحاء ثبوتا ، وعدم امكان الالتزام بهذا النحو اثباتا ،
فلا محيص عن الالتزام بأحد الاحتمالات الأخرى ، من التساقط أو التوقف أو
غيرهما .
وقد عرفت أن الشيخ التزم بالتوقف وتساقط الدليلين في الدلالة المطابقية
لهما وبقائهما على الحجية في نفى الثالث - وهو معنى التوقف - وبنتيجة ذلك التزم
صاحب الكفاية ( قدس سره ) الا انه بغير الطريق الذي سلكه الشيخ ، بل ذهب إلى أن
الدليلين لا يتساقطان ، بل يسقط أحدهما عن الحجية ويبقى الاخر تحت دليل
الحجية ، غاية الأمر انه لا تترتب اثار العلم الاجمالي على ذلك - كما في مسالة
اشتباه الحجة باللا حجة - بل هما بالنسبة إلى الدلالة المطابقية كالمتساقطين ، نعم ،
يظهر الأثر في شئ اخر أجنبي عن محل الكلام وهو نفى الثالث .
وبيان ذلك ( 1 ) : ان دليل الحجية لا يشمل ما يعلم كذبه من الأدلة كما لا يخفى .
هامش
( 1 ) قد يبدو الالتزام بسقوط أحدهما وبقاء أحدهما - بهذا المقدار من العنوان - مشكلا ، لكن
القوم يلتزمون بنظيره في بعض الموارد :
فمن ذلك : مورد تعلق الامر بفردين من طبيعة واحدة بلا أن يكون لأحدهما خصوصية يمتاز
بها على الاخر ، كموارد قضاء الصوم إذا كان الفائت يومين - مثلا - وموارد الدين الثابت
في الذمة كدينارين . فإنه يلتزم فيما إذا أتى المكلف بأحد الفردين بلا تعيين سقوط أحد الامرين
وبقاء الاخر بلا تعيين الساقط والباقي منهما ، فلو أعطاه دينارا بعنوان الوفاء التزم ببقاء دينار في
الذمة بل تعيين كونه أي الدينارين .
ومن ذلك : مورد الاضطرار إلى أحد أطراف العلم الاجمالي لا بعينه ، بناء على الالتزام
بالتوسط في التنجيز - كما عليه الشيخ " ره " - فإنه يلتزم بوجوب الاجتناب عن أحدهما بلا
تعيينه ، لكون الاضطرار إلى أحدهما بلا تعيين .
ثم إن الالتزام ببقاء أحدهما على الحجية ينحو لا يترتب عليه اثر احدى الخصوصيتين ، لا بد
وان يوجه بكون موضوع الحجية هو العنوان الانتزاعي الجامع بين الخبرين - وهو عنوان
أحدهما - وليس المراد به أحدهما المعين في الواقع ، لأنه مضافا إلى كونه ترجيحا بلا مرجح ،
يترتب عليه اثار العلم الاجمالي ، وهو مما لا يقصده صاحب الكفاية ، كما أنه ليس المراد به
أحدهما المردد كي يرد عليه انه لا خارجية له . بل المراد به ما عرفت من أحدهما الجامع بين
الخبرين ، ولا جل ذلك لا يثبت به سوى الجامع بين المدلولين .
وقد عرفت أن لمثل هذا نظائر ، كمثال الدين والاضطرار .
وهذه الموارد تختلف ، فتارة : يترتب على بقاء أحدهما اثر الفرد الخاص ، كما في موارد الامر
المتعدد كالدين .
وأخرى : لا يترتب عليه أي اثر كاخبار خمسة متعارضة في الدلالة على الأحكام الخمسة
وثالثة : يترتب عليه اثر الجامع ، كما لو لم يكن تعارض الخيرين في الوجوب والحرمة .
هذا غاية ما يمكن توجيه كلام الكفاية به ، وبه تندفع بعض الايرادات عليه .
ولكن يرد عليه :
أولا : انا لم نلتزم في محله - ( يلاحظ مبحث النية من كتاب الصوم ) - بأساس هذا الالتزام ،
وبينا عدم معقولية سقوط أحد الامرين وبقاء الاخر ، وانما يسقط الأمران معا ويحدث امر آخر
ناش من غرض واحد .
وهذا لا يتأتى في ما نحن فيه ، فانا إذا التزمنا بسقوط كلا الخبرين عن الحجية ، فأي مقتض
لحدوث حكم جديد يتعلق بأحدهما ؟
وثانيا : مع عدم تعقل ما ذكر ، ان ثبوت الجامع بين المدلولين . .
ان كان بأحدهما الانتزاعي ، فهو ليس فردا خارجيا غير الفردين الساقطين عن الحجية ،
فمقام الاثبات قاصر عن شموله .
ولعله إلى ذلك يرجع اشكال الشيخ على التخيير : بان أحدهما ليس فردا ثالثا كي يشمله
دليل الحجية الثابت لافراد الخبر .
وان كان بكلا الخبرين ، فهو راجع إلى حجيتهما معا ، وهو خلاف مدعاه من سقوط أحدهما
عن الحجية .
هذا مع أن الجامع مدلول ضمني للخبرين ، والاخذ بالمدلول التضمني مع سقوط المطابقي عن
الحجية لا وجه له للتلازم بينهما في الحجية ، فتدبر جيدا .