فالكلام في جهتين :
الجهة الأولى : في وجه التقديم .
وقد ذكر لذلك وجوه متعددة :
الأول : ما ذكره الشيخ من الاجماع على ذلك كما يظهر للمتتبع ، فان الفقهاء
لا يتوقفون في تقدم الأصل السببي على المسببي .
ولكن الاعتماد على الاجماع في مثل ما نحن فيه مشكل ، إذ لا يحرز كونه
اجماعا تعبديا بعد وجود الوجوه العقلية وغيرها المستدل بها على التقديم ، فلا
يكشف عن قول المعصوم ( عليه السلام ) .
الثاني : ( 1 ) ما افاده الشيخ أيضا - وهو المهم من الوجوه التي ذكرها - من أن
هامش
( 1 ) ما ذكره الشيخ ( رحمه الله ) في الوجه الثاني مرجعه [ حمل السيد الأستاذ ( دام ظله ) عبارة
الشيخ على ما حمل عليه في الدرس في الدورة السابقة ، لا على ما هو مذكور في المتن . فالتفت
( المقرر ) ] إلى الورود ويمكن ان يقرب بوجهين :
الأول : أن يكون المراد بالشك عدم الحجة فيكون نقض اليقين في مورد الأصل المسببي
بالحجة وفيه :
أولا : انه ينافي ما التزم به قريبا من حكومة الامارة على الاستصحاب لا ورودها كما هو
مقتضى هذا التوجيه .
وثانيا : ان المراد بالحجة الرافعة هي الحجة على الواقع المتيقن في السابق كالخبر فان مفاده
الكشف عن الواقع والمفروض انه حجة في مؤداه . وليس الاستصحاب كذلك ، لأنه حكم
ظاهري مجعول في ظرف الجهل لا بعنوان انكشاف الواقع ، وان تكفل التنجيز والتعذير كسائر
الأحكام الظاهرية كأصالة الطهارة .
الثاني : أن يكون المراد بالشك عدم العلم ولو بعنوان اخر ، ومع العلم بالحكم بعنوان ظاهري
يرتفع الموضوع قهرا .
وفيه : ما تقدم في مناقشة صاحب الكفاية عند البحث في تقدم الامارة على الاستصحاب
فراجع .
وقد يوجه كلام الشيخ ( رحمه الله ) بان الأصل السببي يحقق موضوع دليل الحكم الثابت
لمجراه فيكون هو الحكم ، وهو المقدم على الأصل المسببي لا الأصل .
وهذا مما لا تأباه عبارته ، ولعله ماخذ ما ذكره صاحب الكفاية من إجزاء الأمر الظاهري
الجاري في تحقيق متعلق التكليف كأصالة الحل والطهارة واستصحابهما .
وقد أورد على هذا الالتزام بايرادات متعددة عمدتها ان مقتضاه الحكم بطهارة المغسول
بالماء المستصحب الطهارة ولو انكشف بعد ذلك أنه نجس وهو مما لا يلتزم به أصلا . وفى مراجعة
مبحث الاجزاء فائدة .
ثم إن هذا الوجه يختص بما إذا كان مجرى الأصل السببي حكما شرعيا قابلا للجعل بنفسه
كالطهارة والحلية ونحوهما . ولا يتأتى فيما إذا كان مجراه موضوعا تكوينيا كالعدالة والحياة ، لعدم
ثبوته به حقيقة حتى يمكن تطبيق الدليل . فانتبه .
وبالجملة : فما افاده الشيخ ( رحمه الله ) في الوجه الثاني غير تام .
واما ما ذكر في الوجه الثالث : فقد تصدى ( قدس سره ) لمناقشته بما لا يخلو عن اشكال .
والتحقيق في مناقشته : ان قلة المورد لا تعد محذورا إذا لم يساعد الدليل على العموم ، فأي
ضرر في أن يكون الاستصحاب قاعدة في موارد خاصة .
وان كان مراد المستدل ان ذلك يتنافى مع مورد الرواية ، حيث إن موردها اجراء
الاستصحاب في الموضوع وهو الطهارة . ففيه : انه يمكن أن لا يكون المنظور في النص اجراء
الاستصحاب في نفس الطهارة والوضوء ، بل في عدم وجوب الوضوء كما هو مورد السؤال ،
فالمستصحب هو المسبب رأسا لا السبب . ومما يؤيد عدم تقدم الأصل السببي على المسببي انه لم
يتصد في النص إلى اجراء الاستصحاب في السبب وهو عدم الرافع ، وهو النوم .
واما ما ذكره في الوجه الرابع ، ففيه : ان الاشتغال لا يكون مجرى للاستصحاب كما تقدم بيانه
في مبحث الأقل والأكثر ، والأصل المسببي في مورد الرواية هو الأصل الجاري في نفى وجوب
الوضوء وهو يوافق الأصل السببي ، وقد تقدم امكان كون المنظور في الرواية هو جريان الأصل
في المسبب رأسا .
وأما ما أفاده أخيرا تحت عنوان . . ، ففيه : ان الكلام ليس في ترتيب اثار الأصل السببي بل
الكلام في عدم معارضته بالأصل المسببي وليس فيما ذكره إشارة إلى أن ارتكاز العرف عليه ، مع أن
المبحث عقلي لا عرفي .
والمتحصل : ان شيئا من هذه الوجوه الأربعة لا يفي بالمطلوب . ولا يخفى عليك ان مقتضى
الوجه الثاني هو الورود ، اما الثالث والرابع فمقتضاه من هذه الجهة بحمل ، وانما هما يتكفلان
التقديم لا أكثر .
واما دعوى تقديم الأصل السببي على المسببي بالحكومة - كما عليه المحقق النائيني على ما
نقل كلامه في المتن - فيدفعها ما عرفت في تقديم الاستصحاب على البراءة من أن المفهوم من أدلة
الاستصحاب بملاحظة النهى عن النقض بمثل " لا ينبغي " إرادة النقض والابقاء العملي ، وهذا لا
يرجع إلى جعل اليقين واعتباره ، بل إلى الامر بترتيب آثار بقاء اليقين . هذه مع غض النظر عما
أشرنا إليه في المتن من أن التعبد باليقين بشئ لا يستلزم التعبد باليقين بآثاره . والنافع في دعوى
الحكومة اثبات التعبد باليقين بالأثر لا التعبد باليقين بالموضوع . فلاحظ .
والذي يمكن ان يقال في وجه تقديم الأصل السببي على المسببي : هو ان الأصل السببي ناظر
إلى مفاد الأصل المسببي وملغ له ، فيكون حاكما . وذلك لان التعبد بطهارة الماء - مثلا - مرجعه
إلى ترتيب اثار طهارته ومن جملتها حدوث الطهارة للمغسول به بعد نجاسته وصيرورته طاهرا .
ومن الواضح ان مرجع التعبد بالحدوث هنا إلى إلغاء الحالة السابقة وعدم الاعتناء بها ، وهذا
ينافي جريان الاستصحاب في المغسول به ، لان ابقاء الحالة السابقة يتنافى مع الغائها وعدم
الاعتناء بها . فيكون الأصل السببي ناظرا لمفاد الأصل المسببي فيتقدم عليه بالحكومة .
وبالجملة : اطلاق دليل الاستصحاب الشامل لمورد الشك السببي يمنع من شمول الاطلاق
للشك المسببي .
وهذا هو معنى الحكومة في ما نحن فيه ، فلا يرد الاشكال فان الحكومة تكون بين دليلين لا في
دليل واحد .
الا ان هذا انما ينفع في اثبات حكومة الاستصحاب السببي على خصوص الاستصحاب
الجاري في الشك المسببي ، لأنه متفرع على ملاحظة الحالة السابقة ، فيكون محكوما لما يقتضى
الغاءها .
وأما مثل أصالة الإباحة أو الطهارة الجارية في الشك المسببي فلا ينفع البيان المزبور لاثبات
محكوميتها للاستصحاب السببي لعدم النظر فيها إلى الحالة السابقة ، بل هي تتكفل مجرد الثبوت .
فتصطدم مباشرة مع اثر الأصل السببي .
وتحقيق الكلام في هذا المجال : ان المولى إذا الزم المكلف المتحير والمتردد بين احتمالين
بأحد الطرفين بأي لسان كان الالزام . من جعل المؤدى أو جعل اليقين وصفا أو عملا أو المنجزية ،
كان مرجع الالزام - عرفا - إلى إلغاء الاعتناء بالطرف الاخر من الترديد ولعل هذا ما يقصده
الشيخ بإلغاء احتمال الخلاف - لا بمعنى جعل العلم واعتباره - لأنه يلتزم بجعل المؤدى ونتيجة
ذلك هو نفى ما يقتضى اعتباره لان لسانه لسان نفى ترتيب الأثر لا مجرد عدم الاعتناء به . وعليه
فيكون الاستصحاب حاكما على البراءة في مورده ، لتكفل دليل الاستصحاب تعيين أحد طرفي
الترديد لان لسانه لسان عدم النقض والابقاء وهو ناظر إلى إلغاء احتمال الخلاف وعدم الاعتناء
به فينفي أصالة الإباحة الراجعة إلى الاعتناء بالاحتمال . وهكذا الكلام في أصالة الطهارة .
ولا تصح دعوى العكس ، لان كلا من أصالة البراءة وأصالة الطهارة لا يتكفل تعيين أحد
المحتملين ، بل تتكفل بيان وظيفة المكلف مع فرض تردده وشكه وغض النظر عن الواقع . وليس
كذلك الامارة والاستصحاب .
والمتحصل : ان حكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسببي بالبيان السابق .
واما حكومة الاستصحاب السببي على البراءة وأصالة الطهارة في الشك المسببي بل مطلقا فهي
بالبيان الأخير . فتدبر واعرف . ومن هذا البيان ظهر تقريب حكومة الامارة على الاستصحاب
لو لم تتم دعوى الورود بالبيان السابق ، فان الامارة بمقتضى دليل اعتبارها تتكفل إلغاء احتمال
الخلاف فتنصرف في موضوع الاستصحاب وتنفيه ، والاستصحاب وان كان كذلك لكن لم يؤخذ
الجهل موضوعا في الامارات بل موردا .
ومعه لا وجه لانكار صاحب الكفاية - في مباحث التعادل والترجيح - دعوى الحكومة
بعدم النظر ، إذ عرفت منشأ نظر دليل اعتبار الامارة إلى دليل الاستصحاب ولو لم يلتزم بان
المجعول فيها الطريقية .
واما ما يظهر من عبارته - في ذلك المبحث - من احتمال تكفل دليل الاعتبار مطلقا ولو
في الأصول لالغاء احتمال الخلاف فهو غير واضح ، إذ لا يحتمل هذا المعنى في أدلة البراءة
أصلا .