الموافقة ، يكون التعارض بين الامارتين فقط فيتساقطان ، فيجري الاستصحاب
حينئذ في طرفه ، لعدم المعارض ، وعدم الوارد لعدم العمل بالأمارتين . وأما مع عدم
تمامية الورود - كما قربناه - وكون الاستصحاب في عرض الامارة الموافقة ، كان
التعارض بين كل من الامارة والاستصحاب في هذا الطرف والامارة في الطرف الآخر
، فيسقط الجميع عن العمل للتعارض .
ومما ينبغي أن يعلم : أن هذه الثمرة انما تتم لو بني - في صورة كون أحد
الطرفين في العلم الاجمالي مجرى لأصل ، والطرف الآخر مجرى لأصول طولية
بعضها في طول بعض - على كون المعارضة في الأصول المذكورة بين الأصل في
أحد الطرفين والأصل الأول الا سبق رتبة في الطرف الآخر . أما لو بني على كون
المعارضة بين هذا الأصل وجميع الأصول الطولية - كما عليه المحقق النائيني
( قدس سره ) ( 1 ) - ، فلا تتم الثمرة ولو قيل بالورود ، لان المعارضة على القول به
بين الامارة في أحد الطرفين والامارة والاستصحاب في الطرف الآخر أيضا .
وكلام المحقق النائيني وان كان ناظرا إلى التعارض الحاصل بين الأصول ،
ولكن ما ذكره من الدليل على مدعاه يشمل الامارات أيضا لا خصوص
الأصول ، فالتفت .
والذي تبين من جميع ما ذكرناه في المقام : أن الوجه في تقديم الامارة على
الأصل الاستصحابي هو ورودها عليه ، وانه لو تنزلنا عن دعوى الورود ، فلا بد
من الالتزام بالتخصيص ولو كان بين دليليهما عموم من وجه ، لعدم تمامية دعوى
الحكومة . ( 2 )
هامش
( 1 ) الكاظمي الشيخ محمد علي . فوائد الأصول 4 / 48 - طبعة مؤسسة النشر الاسلامي .
( 2 ) قد يشكل الالتزام بحكومة الامارة على الاستصحاب - باعتبار ان دليلها يتكفل جعلها علما
تنزيليا والمأخوذ في موضوع الأصل الجهل بالواقع فيكون ورود الامارة رافعا لموضوع الأصل تعبدا -
بان الامارة قد أخذ في موضوعها الشك أيضا وذلك لان لا اشكال في عدم اعتبارها مع اليقين بالواقع بأي نحو من انحاء الاعتبار . فيدور الامر ثبوتا بين ان يؤخذ في موضوعها الجهل بالواقع أو يكون مطلقا
بالنسبة إلى مجال العلم والجهل أو يكن مهملا . لا مجال للثالث لامتناع الاهمال في مقام الثبوت . وكذا
الثاني لما عرفت من عدم اعتبارهما في صورة اليقين والعلم . فيتعين الثالث . وإذا كان موضوعها مقيدا
بالجهل فالاستصحاب يتكفل تنزيل الشك منزلة اليقين ، فهو يثبت اليقين تنزيلا ، فيكون رافعا لموضوع
الامارة وحصول اليقين بالواقع تعبدا ، فلا حكومة للامارة على الاستصحاب بل بينهما تحاكم بالتقريب
المذكور .
وقد أجيب عن هذا الاشكال بجوابين :
الأول : أن الشك المأخوذ في موضوع الأصل مفهوم عام يصلح للانطباق على الفرد الحقيقي
للشك والاعتباري .
بخلاف المأخوذ في موضوع الامارة ، فإنه حيث كان بحكم العقل كان ظاهرا في الصفة الوجدانية .
وعليه ، فحيث إن دليل الامارة يتكفل اعتبارها علما ، كان ورودها رافعا لموضوع الأصل ، بخلاف
الأصل فإنه لا يتكفل رفع الشك حقيقة بل تنزيلا وهو لا يجدي لأن الشك المأخوذ في موضوع الامارة
واقع الشك الظاهر في الصفة الوجدانية . وبعبارة أخرى : ان حيث اخذ الشك في موضوع الأصل اثباتا
ولفظا كان ظاهرا في أن الموضوع كل ما يصدق عليه الشك ولو بواسطة الاعتبار . وهذا بخلاف الشك
المأخوذ في موضوع الامارة ، فإنه مأخوذ ثبوتا والمراد به واقع الشك لا عنوانه إذ لا ربط بالصدق ونحوه
في مرحلة الثبوت .
وبهذا تكون الامارة حاكمة على الأصل دون العكس ، مع الالتزام بأخذ الشك في موضوع الامارة .
وفي هذا الجواب ما لا يخفى .
أما أولا : فلما عرفت من أن دليل الامارة لا يتكفل الاعتبار ، إذ مشروعية الاعتبار تختص بموارد
خاصة .
وأما ثانيا : فلانه مع التسليم بكونه متكفلة للاعتبار ، انما تكون واردة لا حاكمة لنفيها الموضوع
تكوينا - كما عرفت - ، مضافا لاختصاص ورودها بما إذا لم يكن للامارة من أثر غير نفي الحكم الثابت
بالدليل الاخر . وليس الامر كذلك إذ للامارة آثار خاصة ولو لم يكن هناك استصحاب ونحوه .
وأما ثالثا : فلان مبنى الاشكال على تكفل الامارة التنزيل لا الاعتبار وبه يحصل التحاكم ، لان
مفاد الاستصحاب هو تنزيل الشك منزلة اليقين . والتفريق انما يكون بلحاظ نفي الأثر المترتب على
الموضوع ، وهو يتحقق ولو كان الموضوع هو واقع الشك إذ لا نظر له جدا إلى الموضوع ، بل نظره إلى
الحكم بلسان نفي الموضوع . فلا حظ .
الجواب الثاني : ما هو المشهور من أن الشك أخذ في الامارة موردا وفي الأصل موضوعا ، فلا
حكومة للأصل على الامارة لعدم نظره إليها .
وتوضيح هذا الجواب بنحو يندفع به الاشكال والبرهان على أخذ الشك في الموضوع نقول : أن
ما يوجب تحديد الحكم بحمد خاص بحيث لا يتعداه إلى غيره . تارة يكون مأخوذا في مرحلة سابقة على
الحكم سواء كان قيدا للحكم كالأمور غير الاختيارية أو لا موضوع كالأمور الاختيارية - وان كان
التحقيق رجوع قيود الحكم إلى الموضوع - .
وأخرى : يكون ملحوظا ومأخوذا مساوقا للحكم ومقارنا له في المرتبة ، بمعنى ان فعلية الحكم تكون
في ظرف تحقق القيد ، فتكون فعلية الحكم وثبوت القيد متنازلين . نظير ثبوت الضد ، فإنه مقيد بعدم الضد
الاخر ، كثبوت الوجوب فإنه لا اشكال مقيد بعدم الحرمة إذ لا يثبت الوجب في ظرف الحرية . ففعلية
الوجوب انما تكون مع عدم الحرمة ، ولكن تقيد الوجوب بعدم الحرمة ليس بمعنى أخذ عدم الحرمة في
مرحلة سابقة عليه وفي مرحلة أصل ثبوته ، بحيث يكون التصرف فيه تصرفا في الحكم ومحققا للحكومة .
بل بمعنى ان ثبوت الوجوب انما يكون في هذا الظرف دون غيره فهو ملحوظ في رتبة الحكم وإلا لكان
الدليل الموجب لا ثبات الحل مثبتا للوجوب ، لأنه حقق موضوع الوجوب ولا اشكال في أنه لا يلتزم به
أحد . نعم قد يكون ذلك بنحو الملازمة والأصل المثبت وهو غير ما نحن فيه .
وعليه ، فالدليل المثبت لعدم الضد أو النافي له لا يتعرض لثبوت الضد الاخر أو نفيه بحال .
والامر في الامارات كذلك ، فان تقيدها بعدم العلم كتقيد الضد بعدم الضد الاخر . بل هي من أنه
بعينه ، وذلك لان الدليل على عدم ثبوت الامارة مع العلم بالخلاف انما هو ثبوت التضاد العلمي أو
الواقعي . وذلك فان التضاد فيها بملاك التضاد بين الاحكام لا في ذاتها ، فان الاحكام غير متضادة بنفسها
بل متضادة في مرحلة داعويتها ومقام الامتثال ، لان المكلف لا يمكنه امتثال الحكمين معا . فكذلك التضاد
بين جعل الامارة علما تنزيليا والعلم بالواقع ، لان جعل العلم التنزيلي مرجعه إلى جعل وجوب العمل
على طبقه وبلحاظ الجري العملي . وجعل الواقع الذي تعلق به العلم يرجع إلى ذلك أيضا فجعل الواقع
وجعل العلم على خلافه متضاد ان في مرحلة الامتثال . فاخذ عدم العلم في مورد الامارة من باب أخذ عدم
الضد واقعا أو علما . وقد عرفت أنه لم يؤخذ قيدا للحكم بالمعنى الذي كون التصرف فيه موجبا للتصرف
في نفس الحكم ، بل بالمعنى الاخر ، وهو معنى الموردية ، فاتضح بذلك الفرق بين المورد والموضوع المذكور
في جواب الاعلام .
ومن هنا يتضح كون الجواب عن البرهان المزبور ، بالالتزام بالاهمال في الموضوع في مرحلة
الثبوت ولا محذور فيه ، لان امتناع الاهمال في مقام الثبوت باعتبار ايجابه للتردد في الحكم وانه يشمل
المقيد وغيره أو لا ؟ إذا لا مجال لتردد الحاكم في حكمه نفسه وعدم علمه بمقدار شموله . وأما إذا كان
الاهمال غير مركب للتردد في الحكم بل كان مقدار الحكم معلوما فلا مانع فيه لان المجعول الذي لا
يمكن التردد فيه لا تردد فيه واقعا والتردد في غيره لا مانع منه . والمقام من هذا القبيل لان الحكم معلوم
المقدار والحد ولو مع إهمال الموضوع .
ولو أبيت إلا عن امتناع الاهمال في الموضوع أيضا باعتبار أن الحاكم مع التفاته إلى ضيق دائرة
حكمه يلحظ الموضوع ضيقا قهرا عليه ، فيكون الموضوع ضيقا أيضا كالحكم .
فلا مانع من الالتزام به بالنحو الذي التزمنا به في ظرف الحكم بان يلحظ عدم العلم ظرفا
للموضوع لا قيدا وموردا لا جزاء . فلا يكون التصرف فيه تصرفا في الموضوع أضلا . فالتفت .
استدراك : أن الوجه في تقديم الامارة على الأصل بالحكومة إن كان لأجل تعرض نفس
الامارة لمفاد الأصل باعتبار انها تثبت ما نفاه الأصل أو العكس ، فذلك غير موجب للحكومة وإلا يحصل
التحاكم ، فان الأصل أيضا متعرض ، لمفاد الامارة لأنه ينفي ما تثبته الامارة أو العكس ، فملاك حكومة
نفي الامارة ، موجود . وإن كان بلحاظ دليل اعتبار الامارة لا نفس الامارة ، فهو ليس ناظرا إلى دليل
الأصل بمفاده فإنما مفاده على المشهور ثبوت حكم ظاهري على طبق مؤدي الامارة وعلى المختار ثبوت
المنجزية والمعذرية بقيام الامارة ، وعلى كلا الوجهين لا تعرض له بوجه لدليل الأصل كي يكون حاكما
عليه .
ثم إنه قد يقرر وجه حكومة الامارة على الأصل : بان كلا من دليل اعتبار الامارة والأصل وان
كان يتكفل إلغاء احتمال الخلاف ، فدليل اعتبار الامارة يتكفل إلغاء احتمال خلافها . ودليل اعتبار
الأصل يتكفل إلغاء احتمال خلافه ، إلا أنه لما لم يكن دليل اعتبار الأصل ناظرا إلى إلغاء حكم الامارة ،
لان حكم الأصل مترتب على الشك في الواقع الذي هو مؤدي الامارة ، فلا يمكن أن يكون الواقع
مأخوذا فيه عدم حكم الأصل لان حكم الأصل في طول الواقع ، وكان دليل اعتبار الامارة متكفلا
لنفي احتمال خلافه ، ومنه حكم الأصل . كانت الامارة رافعة لموضوع الأصل وهو احتمال الخلاف ونافية
لحكمه ، بخلاف خلافه ، ومنه حكم الأصل . كانت الامارة رافعة لموضوع الأصل وهو احتمال الخلاف ونافية
لحكمه ، بخلاف الأصل فإنه غير رافع لموضوع الامارة ، إذ لا تعرض له لحكمها ، فإنه يتكفل إلغاء احتمال
خلاف حكمه مما هو في مرتبته ولا يتعدى إلى الواقع كي يكون ناظرا إلى الامارة أيضا . ونفي هذا الوجه
صاحب الكفاية بان لم يثبت بان دليل الاعتبار في الامارة والأصل يتكفل إلغاء احتمال الخلاف كي يقرر
ما ذكر . هذا محصل توضيح عبارة الكفاية . ولا بد من التعرض لشئ استطرادي أيضا وهو انه قد يشكل
على القول بحكومة الامارة على الاستصحاب .
بتقريب : ان دليل الامارة بتكفل جعلها علما تنزيليا والمأخوذ في موضوع الأصل الجهل بالواقع ،
فيكون ورود الامارة رافعا لموضوع الأصل تعبدا بان الامارة أيضا قد اخذ في موضوعها الشك وذلك
لأنه لا اشكال في عدم اعتبارها مع اليقين بالواقع بأي نحو من انحاء الاعتبار ، فيدور الامر ثبوتا بين
ان يؤخذ في موضوعها الجهل بالواقع أو يكون مطلقا بالنسبة إلى حكم العلم والجهل أو يكون مهملا لا
مجال للثالث لامتناع الاهمال في مرحلة الثبوت . وكذا الثاني لما عرفت من عدم اعتبارها في صورة اليقين
والعلم ، فيتعين الثالث ، وإذا كان موضوعها مقيدا بالجهل فالاستصحاب يتكفل تنزيل الشك منزلة اليقين ،
فهو يثبت اليقين تنزيلا فيكون رافعا لموضوع الامارة لحصول اليقين بالواقع تعبدا ، وبالجملة : يلزم من
تقريب حكومة الامارة على الاستصحاب ذكر التحاكم من الطرفين .
ولا وجه للتقصي عن هذا الاشكال بعدم أخذ الجهل في الامارة موضوعا بل موردا لما عرفت من
إقامة الرهان على اخذه في موضوعها .
وبالجملة : لا يتضح الفرق بين الموضوع والمورد الا لفظا .
ويمكن الإجابة عنه : ان الفرق بين الموضوع والمورد هو : ان القيود التي تحدد الحكم بنحو خاص
بحيث لا يتعداه إلى غيره ولا يتحقق في ظرف آخر على نحوين :
الأول : مما يرجع إلى المرتبة السابقة على الحكم ، وهي التي يعبر عنها بقيود الموضوع ، كأخذ العادل
في موضوع وجوب الاكرام في قول الامر : " أكرم العالم العادل " .
الثاني : ما يكون متحدا في المرتبة مع الحكم ، بان يؤخذ في نفس الحكم دون الموضوع ، وهو المعبر
عنه بقيود الحكم . وذلك نظير التعبد بأحد جزئي الموضوع ، فإنه مقيد بالتعبد بالجزء الاخر - في صورة
عدم احرازه بالوجدان - بحيث يكون التعبد بالجزء الاخر في عرضه التعبد به ، فهو مأخوذ في نفس الحكم
وهو التعبد ، بحيث لو لاء لما صح التعبد به ، وليس مأخوذا في مرحلة سابقة عليه للزوم المدعى - كما لا
يخفى - . فالقسمان يشتركان في كونهما محددان للحكم بحد خاص ، بحيث لا يثبت مع عدم ثبوتهما ، إلا
انهما يختلفان في أن أحدهما يؤخذ في المرحلة السابقة على الحكم ، والثاني : يؤخذ في مرحلة الحكم نفسه ،
ويكون قيد النفس الحكم . فيمكن أن يكون المراد بقيد الموضوع هو القيد المأخوذ في مرحلة سابقة عن
الحكم ، وبقيد المورد هو المأخوذ في نفس الحكم . وحيث إن الشك أخذ في الاستصحاب في المرحلة السابقة
مع التعبد وفي الامارات ليس كذلك ، بل الحكم مقيد بهذا القيد يعني بصورة الجهل دون العلم بالدليل
العقلي ، كان الشك مأخوذا في موضوع الاستصحاب دون الامارة ، بل فيها اخذ في نفس الحكم ، وهو
المراد من كونه مأخوذا في موردها . وعلى هذا فلا يكون الاستصحاب حاكما على الامارة لأنه لا يتصرف
في موضوعها .
وتوهم : ان الدليل الحاكم أعم مما كان متصرفا في قيود الموضوع أو قيود الحكم ، فإنه لو قال أكرم
زيدا وقيد الوجوب ليوم الجمعة ، ثم قام دليل على هذا اليوم المتوهم كونه يوم جمعة ، ليس بيوم الجمعة
كان هذا حاكما على الدليل الآخر ورافعا لحكمه ، فإذا كان الشك في الامارة مأخوذا قيدا للحكم كان
الاستصحاب رافعا له وهو واضح .
مندفع : بان الشك لم يؤخذ شرطا وقيدا للحكم كي يلزم ما ذكر ، بل أخذه في الحكم بنحو يكون
الحكم هو الحصة الملازمة للشك ، والتي تكون مع الشك بحيث لا يثبت الحكم في غير هذا الظرف ، فلا
يكون الدليل الرافع للشك متعرضا للحكم بحال ، إذ لا علاقة للشك بالحكم لا قيدا ولا موضوعا ، بل
بنحو الملازمة . فغاية ما يكون ان الدليل الرافع للشك يكون معارضا ومنافيا للامارة بمدلولاها - وهو
العلم التنزيلي - وهو لا يرفع حكومتها على الاستصحاب لما عرفت أن أحد الدليلين إذا كان رافعا
لموضوع الاخر كان حاكما عليه ولو كان الاخر منافيا له في الدلالة .
ومن هنا تتضح الإجابة عما أقيم من البرهان على اخذ الشك في موضوع الامارة وذلك بالالتزام
بالاهمال في جانب الموضوع ، وأما المحذور المذكور على الاهمال في مقام الثبوت وهو لزوم تردد نفس
الحاكم في حكمه لعدم علمه بشموله للمورد المشكوك وعدمه ، فهو لا يتأتى ، لان هذا انما يتم لو كان
الاهمال في الموضوع موجبا للاهمال في نفس الحكم ، أما العلم بالحكم وحده وانه مقيد بغير المورد - كما
عرفت - فالاهمال في الموضوع غير ضائر أصلا ، لان المجعول الذي لا معنى للتردد فيه لا تردد فيه ،
وغيره التردد فيه غير ضائر . فالتفت .
استدراك : يتبع مبحث اخذ الجهل في موضوع الأصول والامارة
والجواب عن هذا الاشكال : ان الاهمال في الموضوع في مرحلة الثبوت إنما يمتنع إذا كان موجبا
للتردد في نفس الحكم وانه يشمل المقيد وغيره أولا ، إذ لا مجال لتردد الحاكم في نفس حكمه وعدم علمه
بمقدار شموله وانه في هذا المورد ثابت أولا . إما إذا كان الاهمال ليس موجبا للتردد في الحكم بل كان
مقدار الحكم معلوما فلا مانع من ذلك ، لان المجعول الذي لا يمكن التردد فيه لا تردد فيه والتردد في
غيره لا دليل على امتناعه . وما نحن فيه كذلك . وتوضيح ذلك : أن ما يوجب تحديد الحكم بحد خاص
بحيث لا يتعداه إلى غيره .
تارة : يكون مأخوذا في مرحلة سابقة على الحكم سواء كان قيدا للحكم كالأمور غير الاختيارية
أو الموضوع كالأمور الاختيارية وان كان التحقيق رجوع قيد الحكم إلى الموضوع .
وأخرى : يكون ملحوظا ومأخوذا مساوقا للحكم في المرتبة بمعنى ان فعلية الحكم تكون في ظرفه
تحقق القيد ، فتلحظ فعلية الحكم المقيد بنحو الملازمة ، نظير ثبوت الصد ، فإنه مقيد بعدم الضد الاخر
كثبوت الوجوب ، فإنه لا اشكال انه مقيد بثبوت عدم الحرمة ، إذا لا يثبت الوجوب في ظرف الحرمة .
ففعلية الوجوب انما تكون مع عدم الحرمة . فيكون تقيد الوجوب بعدم الحرمة ليس بمعنى أخذ عدم
الحرمة في مرحلة سابقة عليه بحيث يكون التصرف فيه تصرفا في الحكم ومحققا للحكومة . بل هو بمعنى
ان ثبوت الوجوب انما يكون في هذا المورد دون غيره فهو ملحوظ في رتبة الحكم . وإلا لكان الدليل
الموجب لاثبات الحل مثبتا للوجوب لأنه حقق موضوع الوجوب ولا اشكال في أنه لا يلتزم به أحد نعم
قد يكون ذلك بنحو الملازمة والأصل المثبت وهو غير ما قرره .
وعليه ، فالدليل المثبت لعدم الضد وما هو كرافع أو النافي له لا يتعرض لثبوت الضد الاخر أو
نفيه بحال .
والامر في الامارات كذلك فان تقيدها بعدم العلم كتقيد الضد بعدم الضد الاخر ، بل من بابه
بعينه ، وذلك لان الدليل على عدم ثبوت الامارة مع العلم بالخلاف انما هو ثبوت التضاد العلمي أو
الواقعي . فاعتبار عدم العام في التعبد بالامارة من باب اعتبار عدم الضد في ثبوت الضد الاخر . وقد
عرفت أنه لم يؤخذ قيدا للحكم بالمعنى الذي يكون التصرف فيه موجبا للتصرف في نفس الحكم ، بل
بالمعنى الاخر ، وهو معنى الموردية في كلام . فاتضح بذلك والفرق بين المورد والموضوع المذكور في جواب
الاعلام . وان ما ذكر عن الترديد العقلي غير ناهض على اخذ الشك في موضوع الامارات .
تقريب التضاد : أن التضاد فيها بملاك التضاد بين الاحكام لا في ذاتها ، وذلك لان الاحكام غير
متضادة بنفسها ، بل متضادة في مرحلة داعويتها ومقام الامتثال . فان المكلف لا يمكن امتثال الحكمين
معا . فكذلك التضاد بين جعل الامارة علما تنزيليا والعلم بالواقع . لان جعل العلم التنزيلي مرجعه إلى
جعل وجوب العمل على طبقه بلحاظ الجري العملي . وجعل الواقع الذي تعلق به العلم يرجع إلى ذلك
أيضا فجعل الواقع وجعل العلم على خلافه متضادان في مرحلة الامتثال ، فاخذ عدم العلم في مورد الامارة
من باب أخذ عدم الضد ، لان الضد واقعا هو نفس العلم بهذا اللحاظ بلحاظ ايجابه للمحركية بكشفه
عن الواقع . فالتفت .