توقيع في الأمر بالصبر على الأذى :
181 - ( قال ) ولما أرحلني المنصور باللَّه ( صع ) عن مدينة إطرابلس إلى الحضرة المرضيّة وافق وصولي إليها غداة يوم جمعة فخلع عليّ يوم وصولي وقلَّدني ، وأمرني بالسير من يومي إلى المسجد الجامع بالقيروان « 1 » وإقامة صلاة الجمعة فيه والخطبة إذ لم يكن يومئذ بالمنصوريّة جامع ، وأمر بجماعة من خاصّة بوّابي القصر الأعظم بالمشي بين يديّ بالسلاح إلى أن صلَّيت فانصرفت .
ثمّ خرج توقيعه من غد إلى ديوان الرسائل بأن يكتب لي عهد بالقضاء بمدن المنصوريّة والمهديّة والقيروان وسائر مدن إفريقيّة وأعمالها ، فذكر / ذلك وانتشر في الناس ، وعلموا امتثالي ، أيّام كنت بإطرابلس ، أمره ( صع ) فيما عهده إليّ في عهد القضاء عليها ، من إقامة الحقّ على الشريف والمشروف ، والعدل بين القويّ والضعيف .
فانتهى إليّ عن جماعة ممّن تعوّد الأثرة ومن عوّدهم إيّاها للذّمام والطعمة ، وعن المخالفين لي في المذهب ممّن تطاعم الرئاسة ، أنّ ذلك ساءهم وخفضهم واشمأزّت منه قلوبهم ، فقام فيه من اعتاد الأثرة أنفة وحميّة ومن عوّدها الناس خيفة على نفسه وتقيّة ، ومن خالف المذهب ديانة وعصبيّة « 2 » ، فأسرّوا بي النّجوى واجتمعوا عليّ لاجتماع الأهواء من خاصّ وعامّ ، وقريب وبعيد ، / فخلصوا نجيّا « 3 » في الحيلة بالبغي عليّ ، وسدّدوا بالمكر سهامهم إليّ ، لغير ذنب منّي إليهم ولا جناية منّي أوجبت ذلك منهم ، فشنّعوا عليّ من الأشانيع ونسبوا إليّ من المكر ما اللَّه يسألهم عنه ويثيبني إن شاء اللَّه بفضله ، عليه ، وتهيّأ لهم بذلك بعض ما أملوه بحسب ما أوجبه الزمان وتهيّأ في الإمكان ممّا لم يكن عليّ منه بحمد اللَّه وفضل وليّه ضير ولا نقص .
ولمّا صرت إلى ما أصارني إليه المنصور وقمت بما وجب عليّ القيام به منه ، وسمعوا ثناء الناس ممّا تطاعموه من العدل ورأوه من الإنصاف ، جعلوا يشيعون فيهم « 4 » الأشانيع ويدسّون من بينها فيهم / أنّي أنسب المكروه إليهم
هامش
« 1 » أي جامع عقبة .
« 2 » هذه أول إشارة إلى الصراع المذهبي والعقائدي بين السنة والشيعة في إفريقية .
« 3 » نجيا : سرا وتواطؤا .
« 4 » ب : يشعون فيه . أ : يشنعون فيهم .