فقلت : لذلك ما آثر اللَّه به أمير المؤمنين واختصّه ، زاده اللَّه وبلَّغه نهاية أمله ! ثم حضر وقت الصلاة فقام وصار إلى المسجد ، ورقي المنبر فخطب بخطبة بليغة جاء فيها بفصول ما سمعنا قبلها مثلها واحتجاج في الإمامة / وإبانة لظلم الظالمين المتغلَّبين .
كلام في مجلس آخر في نحو ذلك :
68 - ( قال ) وحضرت مجلسه بعد ذلك فجرى ذكر هذه الخطبة واستحسان من سمعها وإعجابهم بها . فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : لإعجاب الأرواح الشريفة ومسرّتها بما يجريه اللَّه على ألسنتنا وأيدينا ، واستحسانها لذلك ممّن صار إلى كرامة اللَّه من آبائنا أكثر ، ونحن بذلك أغبط منّا باستحسان « 1 » الناس / لها / وإعجابهم .
ولقد سمعت المنصور باللَّه صلوات اللَّه عليه يقول لي وقد احتضر : واللَّه ليودعنّك اللَّه من الخير ويجعل لك من النعمة والغبطة / والمسرّة والصنع وعلوّ المنزلة والتوفيق والسعادة بعدي ، ما لم يكن لأحد مثله تقدّمك ، وما أخشى عليك إلَّا الجزع عند الصّدمة بالمصيبة بي وقلَّة الصبر عندما يفجؤك من ذلك ، فذلك الذي أخافه أن يدخل عليك من الغمّ والشدّة من بعدي .
فقلت « 2 » : فقد كان ويكون من ذلك ما أمّله ووعد به ، والذي تخوّفه من الجزع قد كنّا نتوقّعه ونتخوّفه على أمير المؤمنين لما نعلمه من عظيم قدر المنصور عليه السلام عنده وجليل محلَّه من قلبه ، فكان من تأييد اللَّه عزّ وجلّ له وعصمته إيّاه ما وفّقه / إلى حسن العزاء وجميل الصبر الذي عزّى به أولياءه « 3 » .
فقال عليه السلام : أمّا جلالته ، فقد كانت في صدري ، وهيبته في عيني . فو اللَّه لقد كنت أعظم ذلك حتّى كأنّه ليس عندي من البشر ، وكأنّه ملك من ملائكة السماء . ولقد كنت أعلم أنّه كذلك كان يرى القائم عليه السلام في عينه ويجده في قلبه ، وما رأيته قطَّ ملأ عينه منه ، ولا رأيت القائم عليه السلام فعل ذلك ، وما كنت أرى كلّ واحد منهما يكلَّم الآخر إلَّا وهو مطرق .
هامش
« 1 » في الأصل : باستحسانها الناس
« 2 » رجع الكلام إلى القاضي النعمان .
« 3 » في الأصل : عزم به لأوليائه .