وجمهور العقلاء أن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام والعقلاء الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد الضرورات من غير تواطؤ واتفاق كما في الأخبار المتواترة ، وأما مع التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمداً ، وقد يتفقون على جحد الضرورات وإن لم يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ولم يفهم حقيقة القول الذي يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ومحبته ليصير ( 1 ) ذلك القول كما اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم فسادها بالضرورة .
وقال جمهور العقلاء : نحن إذا عربنا التوراة والإنجيل لم يكن ذلك معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا ( 2 ) وكذلك معنى " قل هو الله أحد " ليس هو معنى " تبت يدا أبي لهب " ، ولا معنى آية الكرسي معنى آية الدين ، وقالوا : إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئاً واحداً فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة ، فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي .
ثم منهم من قال الناس في الصفات إما مثبت لها قائل بالتعدد وإما ناف بها ، وأما إثباتها واتحادها فخلاف الإجماع ، وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأبي المعالي وغيرهما ، ومنهم من اعترف بأنه ليس له عنه جواب كأبي حسن الآمدي وغيره .
والمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول كما تثبت بطلان غيره فإن قوله " نزله روح القدس من ربك " يقتضي نزول القرآن من ربه والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه ، بدليل قوله " فإذا قرأت القرآن " وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المحددة ، وأيضاً فضمير المفعول في قوله " نزله "
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ولعله لنصر ذلك القول
( 2 ) بياض بالأصل قليل ، يظهر أنه موضع شاهد كالشواهد التي بعده