الأصوات ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه في غيره من السمع والبصر والقدرة فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه في غيره من الكلام ولا يكون متكلماً بذلك الكلام .
الوجه الثالث أن الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى ، فاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمتنع ثبوت معناها دون معنى المصدر التي هي مشتقة منه ، والناس متفقون على أنه لا يكون متحرك ولا متكلم إلا بحركة وكلام ، فلا يكون مريد إلا بإرادة ، وكذلك لا يكون عالم إلا بعلم ولا قادر إلا بقدرة ونحو ذلك .
ثم هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر ، فإنما يسمى بالحي من قامت به الحياة ، وبالمتحرك من قامت به الحركة ، وبالعالم من قام به العلم ، وبالقادر من قامت به القدرة ، فأما من لم يقم به مسمى المصدر فيمتنع أن يسمى باسم الفاعل ونحوه من الصفات ، وهذا معلوم بالاعتبار في جميع النظائر ، وذلك لأن اسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات وعلى الصفة والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته ، وهذا كما أنه ثابت في الأسماء المشتقة فكذلك في الأفعال مثل تكلم وكلم ويتكلم وعلم ويعلم وسمع ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك سواء ، قيل أن الفعل المشتق من المصدر أو المصدر مشتق من الفعل ، لا نزاع بين الناس أن الفاعل الفعل هو فاعل المصدر ، فإذا قيل كلم أو علم أو تكلم أو تعلم ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم والمعلم ، وكذلك التعلم والتكلم ، والفاعل هو الذي قام به المصدر الذي هو التكليم والتعليم والتكلم والتعلم ، فإذا قيل : تكلم فلان أو كلم فلان فلاناً ففلان هو المتكلم والمكلم ، فقوله تعالى : " وكلم الله موسى تكليماً " وقوله : " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ، ورفع بعضهم درجات " وقوله : " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه " يقتضي أن الله هو المكلم ، فكما يمتنع أن يقال : هو المتكلم بكلام قائم بغيره يمتنع أن يقال كلم بكلام قائم بغيره
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 139
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٩