بسنين ومن البدهي اختلاف الإدراك لدى الشاب والكهل ، مضافاً إلى اختلاف النشأة والتربية ، ولا ننسى الشعور بالتفاضل بين البيتين ، فهذا من بني هاشم صفوة الخلائق وذاك من بني عدي ، والأهم من هذا كله هو الخلاف في مسألة الخلافة ، وما هي الأسباب الّتي جعلت عمر يثق بابن عباس فيختصه دون غيره ، فيتخذ منه المستشار المؤتمن ومفزعه عند المحن ، فيقول له إذا أعضله أمر : غص يا غواص . مع علمه بان ابن عباس هو من الهاشميين وابن شيخهم ، ولا يزال يراهم العنصر المعارض لإمرته وإمرة صاحبه من قبل ، وهو الّذي كان قد أستبعدهم عن الساحة فأبعد الخلافة عنهم بكلّ جهد مستطاع ، وبتعبير أصح حتى أبعدهم عن الخلافة ، فكيف والحال هذه يطمئن إلى واحد منهم مثل ابن عباس وهو في فقهه وعلمه وحصافة رأيه ، فيقرّبه ويثق به ؟
ثم ما هي العوامل الّتي فرضت نفسها على ابن عباس أن يكون مع عمر بالمنزلة الّتي بلغها ، وهو من بني هاشم الذين كانوا جميعاً وبلا استثناء يرون في عمر وصاحبه من قبل ظالمَينَ لهم وغاصبَين لحقهم ، وقد كشف لعمر مراراً عن دخيلة نفسه وحقيقة رأيه ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك ، وسيأتي مزيد من احتجاجاته عليه الّتي بقي فيها عمر مخصوماً لا يدري ما يأخذ وما يذر ؟
والجواب على كلّ تلك التساؤلات يبدو واضحاً لمن عرف الرجلين أيام تعايشهما : فقد كانت هناك مصالح متبادلة بينهما - وتبادل المصلحة يجمع بين المتضادين رأياً وعقيدة في سبيل تحقيق مصلحة ما تعود على كلّ منهما بالنفع ، فيتفقان على العمل لبلوغ الهدف المنشود ، مع أن لكل وجهة هو مولّيها - وهكذا كان ابن عباس وعمر . فابن عباس رأى في عمر الخليفة الّذي بيده مقاليد الأمور ، فمن الخير له ولمصلحة الأمة أن يكون معه بالموضع الّذي يمكنّه من قولة الحق
موسوعة عبد الله بن عباس — صفحة 74
مساهمون: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان
ص٧٤