يترك تأثيرات بالغة على تكوّن المفاهيم المساعدة في هذا الفكر أو على إعادة إنتاج المفاهيم القديمة عينها في ظلّ أوضاع جديدة تفرض عليه أحيانا إجراء تعديلات بنيوية رئيسة .
وفي هذا السياق ، يلحظ المتابع للفكر الشيعي ظاهرة حركات الغلوّ المذهبي التي شهدها القرنان الثاني والثالث الهجريين بالخصوص ، بوصفها ردّات فعل على واقع القمع الشرس الذي مارسته سلطات الأيديولوجيا الدينية الزائفة في العصرين الأمويّ والعباسي . إنّ تنامي المفاهيم الانتقامية في العقل المقموع يتخذ لنفسه أشكالا داخل الفكر نفسه ، تتمظهر في مزيد من الإفراط لصالح المقولات التي مورس القمع بسببها على تلك الجماعة ، في تعبير حادّ عن حسّ الذات وإبداء الخصوصية والتمايز عن المسار العام .
لكن ظواهر الغلوّ في العقل الشيعي لم تستطع الصمود أمام المدّ العقلي الاعتزالي - بالمعنى العام للكلمة - الذي شهده الفكر الشيعي منذ أواسط القرن الرابع الهجري ، تلك الفترة التي شهدت غياب شمس الاعتزال في الحياة الإسلامية حتى اعتبر بعض الباحثين الهامّين في الحضارة الإسلامية التشيّع وريث الاعتزال بعد تنحيّه عن سدّة السلطة .
كان دخول آليات التعامل الاعتزالي ضربة قاصمة للمفاهيم الغالية المؤدلجة بامتياز - إلى جانب ضربات أخرى لسنا بصددها فعلا - لقد أعيد إخضاع المقولات التي أنتجها العقل الشيعي لمعايير العقل الأرسطي الفلسفي الذي كان قد تبلور إلى حدّ كبير من تلك الفترة في تاريخ الثقافة الإسلامية ، وكان من الطبيعي - وفق النهج الاعتزالي في قراءة النص - تأويل النصوص التي لا تنسجم مع العقل بدل تضبيب
التشيع والتحول في العصر الصفوي — صفحة 6
مساهمون: كولن تيرنر
ص٦