المفسرين الأوائل لم يقوموا بتفريق مفهوميّ واضح بين مسؤولية الفرد في تنفيذ وصايا الله وبين كون هذه الوصايا مفروضة على جميع أفراد الأمة وبالتالي فهي ميزة الجماعة نفسها .
في تفسير الطبري ، نلحظ مرحلة جديدة في فهم الإسلام : التسليم اللفظي المحض وبالتالي التسليم الخارجي الذي به يدخل الفرد في مجتمع ( ملة ) الإسلام . وهذا يفتقر إلى عمق الإيمان الذي يتضمن العلم والتصديق بالقلب . إلا أن هذا الإيمان منسجم مع الإسلام الأعمق الذي لا يعدو بدوره أن يكون تكميل الإيمان وبهذا المعنى فهو يؤلّف التسليم المطلق للقلب والعقل والجسد . وبتعبير آخر ، فإن التجاوب الوجداني هو الذي يؤدي إلى الطاعات الظاهرة .
هنا يورد الطبري آية بني أسد ( الحجرات 14 ) التي عادة ما يمثّل بها على دخول الفرد في ملة الإسلام وصيرورته مسلما ولكن ليس بالضرورة مسلما أو مؤمنا « 1 » .
ويبدو أن المفسرين الآخرين لم يشعروا بأهمية القيام بتفريق كهذا ، تاركين المسألة مفتوحة بخصوص الدين الذي يشيرون إليه سواء أكان الإسلام الشخصي للفرد أم الحالة الجماعية لأتباع محمد . تركزت المناقشات المبكرة على الظرف التاريخي لمحمد ، ولذا فليس مفاجئا أن يكون تفسيرهم لمصطلح الإسلام عاكسا هذه الرؤية التي توحّد أبعاده الفردية والجماعية . فالبؤرة التي تتركز عليها المناقشات هي المجتمع المسلم أيام النبي . يتحدث الطوسي ، على سبيل المثال ، عن
هامش
( 1 ) الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير : جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، ضبط صدقي العطار ، دار الفكر ، بيروت ، د . ط . ، 1995 ، ج 26 ص 184 .