الحكماء فلا يوجبان إلا علما كليا لأن ما علم بماهيته ) المجردة كما استفيد من الأول ( أو ) علم
( بعلته ) كما استفيد من الثاني ( يعلم ) علما كليا فإن المعلول ماهيته كذا إما وحدها ) كما في
المسلك الأول ( أو مع كونها معللة بكذا كما في المسلك الثاني ( والماهية كلية وكونها معللة
بكذا كلي ) أيضا ( وتقيد الكلي بالكلي ) مرات كثيرة ( لا يفيد الجزئية ) فضلا عن تفسده
به مرة واحدة وههنا محل تأمل فإنهم زعموا أن العلم التام بخصوصية العلة يستلزم العلم التام
بخصوصيات معلولاتها الصادرة عنها بوسط أو بغير وسط وادعوا أيضا انتفاء علمه تعالى
بالجزئيات من حيث هي جزئية لاستلزامه التغير في صفاته الحقيقية فاعترض عليهم بعض
المحققين وقال إنهم مع ادعائهم الذكاء قد تناقض كلامهم ههنا فإن الجزئيات معلولة له كالكليات
فيلزم من قاعدتهم المذكورة علمه بها أيضا لكنهم التجأوا في دفعه إلى تخصيص القاعدة
العقلية بسبب مانع هو التغير كما هو دأب أرباب العلوم الظنية فإنهم يخصصون قواعدهم
بموانع تمنع اطرادها وذلك مما لا يستقيم في العلوم اليقينية ( البحث الثاني ) إن علمه تعالى
يعم المفهومات كلها الممكنة والواجبة والممتنعة فهو أعم من القدرة لأنها تختص بالممكنات
دون الواجبات والممتنعات ) بو ؟ إنما قلنا عمومه للمفهومات ( لمثل ما مر في القدرة وهو أن الموجب
شرح
بالكليات ( قوله فلا يوجبان إلا علما كليا ) لعل الحصر إضافي بالنسبة إلى الجزئيات المعلولة وإلا ففي المسلك
الثاني إنه تعالى يعقل ذاته ومن البين أنه علم جزئي فتأمل ( قوله لاستلزامه التغير في صفاته الحقيقة ) قد ذكرنا
في مباحث العلم أن مذهب أبي علي ومتابعيه كون علم الله تعالى صفة حقيقية زائدة على ذاته تعالى وإن كان مخالفا
لقواعد الفلاسفة فالتغير في العلم تغير في الصفة الحقيقية عندهم وجميع الصفات على هذا باعتبار خصوصيات
العلم وأما غيرهم فلا ينبغي أن يحمل كلامهم على الالزام كما نبهت فيما سبق على مثله ( قوله قد تناقض كلامهم الخ )
قد يعتزر عنه بأنهم إنما أدعو أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول لأن العلم بها يوجب الاحساس به وإدراك الجزئيات
الجسمانية من حيث هي جزئيات جسمانية إحساس لا يمكن إلا بالحواس الجسمانية لا علم فلا تناقض ودفع هذا
الاعتذار بأن كون إدراك الجزئيات الجسمانية محتاجا إلى آلات جسمانية إنما هو في حقنا لا بالنسبة إلى الواجب
تعالى ( قوله يعم المفهومات كلها ) أورد على معلومية الكل أي جميع الموجودات والمعدومات لله تعالى بأن
العلم نفس التميز أو صفة توجبه ولا شئ بعد الجميع يعقل تميزه عنه وما قيل من أنه لا معنى للعلم بالمجموع لا العلم بآحاده
فيكفي تميز كل فرد ولا يجب تميز الكل لا يلتفت إليه لأنه إذا علم كل واحد يكون جميع الآحاد أيضا معلوما
والمعلومية تقتضي التميز وقد يجاب بأن العلم يوجب تميزا فيما يوجد هناك غير إذ لو لم يتميز المعلوم حينئذ عن ذلك
الغير لم يكن هو بالمعلومية أولى وأما حيث لا غير فلا نسلم لزوم التميز فإن التميز فرع تحقق المتميز عنه البتة والحق في
الجواب أن التميز ههنا عن الغير الذي هو كل واحد من الآحاد ( قوله وهو أن الموجب للعلم ذاته ) أما بواسطة المعنى