من فاعل موجب فإن وجود ذلك الحادث منه في وقته أوليس
أولى من وجوده فيما قبله قيل
هذا الدليل برهان بديع لا يحتاج إلى إثبات حدوث العالم وقد تفرد به المصنف رحمه الله تعالى
( وإن شئت قلت ) في إثبات كونه قادرا ( لو كان الباري تعالى موجبا بالذات لزم قدم الحادث
والتالي باطل ) بطلانا ظاهرا ( و ) أما ( بيان الملازمة ) فهو إن أثر الموجب القديم يجب أن
يكون قديما إذ ( لو حدث لتوقف على شرط حادث ) كيلا يلزم التخلف عن الموجب التام
وذلك الشرط الحادث يتوقف أيضا على شرط آخر حادث ( و ) حينئذ ( تسلسل ) أي
لزم التسلسل في الشروط الحادثة متعاقبة أو مجتمعة وكلاهما محال ( واعلم أن هذا الاستدلال )
الذي أشار إليه بقوله وإن شئت قلت ( إنما يتم بأحد طريقين الأول أن يبين حدوث
ما سوى ) ذات ( الله تعالى ) وصفاته إذ لولا ذلك لجاز أن يصدر عن البارئ على تقدير كونه
موجبا قديما مختار أوليس
بجسم ولا جسماني يصدر عنه الحوادث بحسب إرادته المختلفة فلا
يلزم من إيجاب الباري قدم الحادث ( و ) أن نبين مع ذلك أيضا ( أنه لا يجوز قيام حوادث
متعاقبة لا نهاية لها بذاته ) إذ لو جاز ذلك لأمكن أن يصدر عنه مع كونه موجبا حادث
مشروط بصفة حادثة قائمة بذاته مشروطة بصفة أخرى وهكذا إلى غير النهاية وإذا ثبت
حدوث ما سوى ذاته وصفاته وثبت أيضا استحالة قيام الصفات المتعاقبة إلى ما لا نهاية له
بذاته تم الاستدلال المذكور بهذا الطريق لأن أثر الموجب القديم لا يكون حادثا بلا تسلسل
شرح
الاستدلال الخ ( قوله واعلم أن هذا الاستدلال الذي أشار إليه بقوله وإن شئت قلت ) جعل الشارح لفظ هذا إشارة
إلى الاستدلال الأخير ولم يلتفت إلى ما ذكره شارح المقاصد من أنه إشارة إلى الاستدلال السابق على التقريرين
معا مع أنه لا يرد حينئذ اعتراضه الذي سيذكره بقوله ولقائل أن يقول الخ اتباعا للشارح الأبهري فإنه تلميذ
المصنف فالظاهر أن ما ذكره سماع منه ولأنه حمل الكلام على استدلالين كما يدل عليه حديث التفرد الذي نقله
من الأبهري في الأول ومن البين أن لفظ هذا لا يكون إشارة إليهما معا إلا بالتأويل فجعله إشارة إلى القريب على
ما هو مقتضى القاعدة من أن هذا يشار به إلى القريب ( قوله وإن بين مع ذلك أيضا الخ ) فإن قلت لم خصص في
هذا لطريق الأول الحوادث المتعاقبة لا إلى نهاية بصفاته تعالى مع أنه إذا كان حوادث متعاقبة لا إلى نهاية غير قائمة
بذاته تعالى شرطا في صدور الحوادث عن الموجب لم يلزم أيضا تخلف محال قلت لعل السر في ذلك أن عدم جوازها
متبين من بيان حدوث ما سوى ذاته تعالى وصفاته فلا حاجة إلى إفراده بالبيان وذلك لأن تحقق تلك الحوادث
المتعاقبة لا إلى نهاية تستلزم القول بالمادة القديمة كما علم من قواعد الفلاسفة وسيشير إليه في الطريق الثاني وأما ما
قيل في بيان تبين عدم جوازها بما ذكر من أن تحقق تلك الحوادث يستلزم قدم مطلقها كما هو المشهور وذلك
المطلق مندرج حينئذ فيما سوى ذاته تعالى وصفاته مع أنه غير حادث على الفرض ولا يمكن حوادث متعاقبة إلى غير