وموافق لغرضهم ( ومفسدة لأوليائه ) ومخالف لغرضهم فدل هذا الاختلاف على أنه أمر
إضافي لا صفة حقيقة وإلا لم يختلف كما لا يتصور كون الجسم الواحد أسود وأبيض بالقياس
إلى شخصتين ( الثالث تعلق المدح والثواب ) بالفعل عاجلا وآجلا ( أو الذم والعقاب )
كذلك فما تعلق به المدح في العاجل والثواب في الآجل يسمى حسنا وما تعلق به الذم في
العاجل والعقاب في الآجل يسمى قبيحا وما لا يتعلق به شئ منهما فهو خارج عنهما هذا في
أفعال العباد وإن أريد به ما يشمل أفعال الله تعالى اكتفى بتعلق المدح والذم وترك الثواب
والعقاب ( وهذا ) المعنى الثالث ( هو محل النزاع فهو عندنا شرعي ) وذلك لأن الأفعال كلها
سواسية أوليس
شئ منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ولا ذم فاعله وعقابه وإنما
صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها ( وعند المعتزلة عقلي ) فإنهم ( قالوا للفعل )
في نفسه مع قطع النظر عن الشرع ( جهة محسنة ) مقتضية لاستحقاق فاعله مدحا وثوابا
( أو مقبحة ) مقتضية لاستحقاق فاعله ذما وعقابا ( ثم إنها ) أي تلك الجهة المحسنة أو المقبحة
( قد تدرك بالضرورة ) من غير تأمل وفكر ( كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار )
فإن كل عاقل يحكم بهما بلا توقف ( وقد تدرك بالنظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب
شرح
يدل على أن المراد من الغرض غرض الفاعل لا العام منه ومن غرض الغير وإلا لم يخرج فعل الله تعالى لما ذكره
فحينئذ مراده من قوله ههنا فإن قتل زيد الخ إن قتل زيد إذا صدر عن أعدائه يكون حسنا بمعنى موافقته لغرض
الفاعل الذي هو الأعداء ولو صدر عن أوليائه يكون قبيحا بالنسبة إلى الفاعل الذي هو الأولياء لكن يلزم على هذا
أن لا يوصف القتل الصادر عن الأولياء بالحسن ولو بالنسبة إلى الأعداء ولا يوصف القتل الصادر عن الأعداء
بالقبح ولو بالنسبة إلى الأولياء ولعل أصحاب هذا التعريف يلتزمونه ( قوله فما تعلق به المدح الخ ) لا يخفى أن هذا
يخالف التعريف السابق المختار عند الأكثرين لشمول ذلك للمباح بخلاف هذا ( قوله اكتفى بتعلق المدح والذم )
أي اكتفى في المعنى الثالث ليصح محل النزاع بيننا وبين المعتزلة في أفعال الباري تعالى فإن المعتزلة فرعوا على هذا
الأصل تنزيه الباري تعالى عن القبائح لإيجابها استحقاق الذم لا لاستحقاق العقاب ( قوله فهو عندنا شرعي ) ذهب
بعض أهل السنة إلى الحسن والقبح العقليين في أفعال العباد دون أفعال الله تعالى مستدلا عليه بأن وجوب
تصديق النبي عليه السلام إن توقف على الشرع لزم الدور وإلا كان واجبا عقليا فيكون حسنا عقلا فإذا
وجب تصديقه حرم تكذيبه فيكون قبيحا عقلا ورد بأن وجوب تصديقه بمعنى جزم العقل بصدقه للدلائل العقلية
مما لا نزاع فيه كالتصديق بوجود الصانع وأما بمعنى استحقاق الثواب والعقاب فيجوز إن ثبت بنص الشارع ( قوله
سواسية قال الأخفش سواسية أي أشباه فإن سواء فعال وسية يجوز أن يكون فعه أو فلة إلا أن فعه أقيس لأن
أكثر ما يلقون موضع اللام وأصلها سوية انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها ( قوله كحسن الصدق النافع وقبح
الكذب الضار ) لا يخفى أن المدرك بالضرورة فيهما هو الحسن والقبح بالمعنى الثاني لا بالمعنى الثالث المتنازع فيه