الاجمال متفاوتة قوة وضعفا كما لا يخفى على ذي بصيرة فليس يجب أن يكون كل إجمال وسيلة
إلى تفصيل أجزاء المدرك وما يتعلق به من الأحوال ألا ترى إلى قولك كل شئ فهو كذا وفي
هذا الترويج تكلفات أخر يطلعك عليها أدنى تأمل فإذن الأولى ما قد قيل من أن التعويل
في هذه المسألة على الدليل العقلي متعذر فلنذهب إلى ما اختاره الشيخ أبو منصور الماتريدي
من التمسك بالظواهر النقلية وقد مر عمدتها ( المقام الثاني ) في وقوع الرؤية أن المؤمنين
سيرون ربهم يوم القيامة ) أي في الدار الآخرة ( قال الإمام الرازي ) مستدلا على وقوع
الرؤية ( الأمة في هذه المسألة على قولين ) فقط الأول ( يصح ويرى و ) الثاني ( لا يرى
ولا يصح وقد أثبتنا أنه يصح فلو قلنا ) مع القول بالصحة أنه ( لا يرى لكان قولا ثالثا خارقا
للإجماع ) على عدم الافتراق بين الصحة والوقوع في النفي والإثبات بل كلاهما مثبتان معا
أو منفيان معا ( وهو ) أي هذا الاستدلال ( غير صحيح ) كما ذكره الآمدي ( لأن خرق
لإجماع إثبات ما نفاه ) كما إذا ذهب بعض المجمعين إلى السالبة الكلية وآخرون إلى السالبة
الجزئية فأحدث القول بالموجبة الكلية ( أو نفي ما أثبته ) كما إذا ذهب بعضهم إلى الموجبة
الكلية وبعضهم إلى الموجبة الجزئية فأحدث القول بالسالبة الكلية وأما إذا ذهب بعضهم إلى
الموجبة الكلية وآخرون إلى السالبة الكلية فإحداث القول بالموجبة الجزئية والسالبة الجزئية
معا أوليس
خارقا للإجماع إذ أوليس
بين القولين قدر مشترك بل هو تفصيل وموافقة الطائفة في
شرح
بالضرورة وهذه مكابرة لا نرتضيها بل الوجود علة لصحة كون الحقيقة المخصوصة مرئية ( قوله وفي هذا الترويج
تكلفات أخر الخ ) قد أشرنا إليها في تضاعيف الكلام هذا وقد نقض الدليل المذكور بصحة المخلوقية بأن يقال
أنها مشتركة بين الجواهر والأعراض ولا مشترك بينهما يصلح للعلية سوى الوجود فيلزم صحة مخلوقية الواجب
تعالى عن ذلك علوا كبيرا وأجاب عنه صاحب المقاصد بأنها اعتبارية محضة لا تقتضي علة إذ ليست مما يتحقق عند
الوجود وينتفي عند العدم كصحة الرؤية سلمنا لكن الحدوث يصلح ههنا علة لأن المانع عن ذلك في صحة الرؤية إنما
هو امتناع تعلق الرؤية بما لا تحقق له في الخارج قال وأما النقص بصحة الملموسية فقوى وفيه بحث أما أولا فلأن
صحة المخلوقية وإن كانت اعتبارية بمعنى كونها معدومة في الخارج لكنها ثابتة للمخلوق في الواقع دون الممتنع فلا بد
لثبوتها له واختصاصها به من علة فلا وجه لنفي اقتضائها للعلة فعلتها الإمكان بل نفس الذات لأنها نفس الإمكان فلا
يعلل إلا بالذات وأما ثانيا فلأن تعلق الرؤية بشئ بمعنى كونه مرئيا كما يقتضي كونه من الأمور العينية لا من
الاعتبارية المحضة كذلك تعلق الخلق بشئ بمعنى كونه مخلوقا يقتضي كونه مما له تحقق في الأعيان فإن الأمور
الاعتبارية المحضة لا تكون مخلوقة وبالجملة الفرق بين صحة المخلوقية وصحة الملموسية في قوة النقض بأحدهما دون
الآخر مما لا وجه له وأما ثالثا فلأن الحدوث متأخر عن صحة المخلوقية لأنه وصف الوجود المتأخر عنها فكيف يكون
علة لها وأما رابعا فلأن اشتراك الملموسية الجوهر والعرض محل تأمل فإن الأعراض لا يمس بها إلا تبعا لمحالها