لما ذكر المفاسد المرتبة على البناء في المقابر : الثالث وهو أكبر وأشنع مما تقدم ذكره ، وذلك أن
العلماء قد اتفقوا على أن الموضع الذي يدفن فيه المسلم وقف عليه ما دام منه شئ موجودا فيه
حتى يفنى ، فإذا فني حينئذ يدفن غيره فيه ، فإن بقي شئ من أعضائه فالحرمة قائمة بجميعه
ولا يجوز أن يحفر عليه ولا يدفن معه غيره ولا يكشف عنه اتفاقا إلا أن يكون موضع فقره قد
غصب انتهى . وفي نوازل ابن رشد : سئل عن رجل دفن أربعة من الأولاد في مقبرة من مقابر
المسلمين ، فلما كان بعد عشرة أعوام من دفنه إياهم غاب الرجل عن البلد فجاء الحفار فحفر
على قبر أولئك الأطفال قبرا لمرأة ودفنها فيه ، ثم جاء الولد من سفره بعد دفن المرأة بثلاثين يوما
ولم يجد لقبر بنيه أثرا غير قبر المرأة ، فأراد نبشها وتحويلها إلى موضع آخر ليقيم قبور بنيه على
ما كانت عليه ، هل لك ذلك أم لا ؟ فأجاب : بأن قال : لا يجوز أن ينبشها وينقلها عن موضعها
ولا يحل ذلك لأن حرمتها ميتة كحرمتها حية ، ولا يحل له أن يكشفها ويطلع عليها وينظر
إليها ولو كان ذا محرم لها لما ساغ له ذلك منها بعد هذه المدة إذ لا يشك في تغييرها فيه
وبالله التوفيق . وتقدم في كلام اللخمي شئ من ذلك . وقال المازري في شرح التلقين في آخر
باب الجنائز : وللميت حرمة تمنع من إخراجه من قبره إلا لضرورة كما ذكرنا من نسيان الصلاة
عليه على الاختلاف المذكور فيه ، وإلحاق دفن آخر معه بأبواب الضرورة المبيحة لاخراجه يفتقر
إلى نظر آخر وبسط طويل . وقال البرزلي في أوائل الجنائز : وسئل اللخمي عن نقل الميت بعد
الدفن . فأجاب أنه ليس يحسن ولا يبلغ به تأثيم فاعله انتهى .
مسألتان : الأولى : الجلوس على القبر جائز عندنا . قال المازري في شرح التلقين : السؤال
الثالث هل يجلس على القبر ؟ والجواب : أن يقال : عندنا الجلوس على القبر جائز . وكره الشافعي
أن يجلس عليه أو يطأه أو يتكئ عليه . وقال ابن حبيب : يكره الدخول إلى المقابر بالنعال ولا
يكره بالخفاف والشمسكات ، وحجة الشافعي الحديث في النهي عن الجلوس على القبر ، ونحن
نتأول النهي على أنه عن الجلوس لقضاء الحاجة ، كذلك قال ابن حبيب : فسره مالك قال : ولا
بأس بالمشي على القبر إذا عفا ، فأما وهو مسنم والطريق دونه فلا أحب ذلك لأن في ذلك تكسير
تسنيمه وإباحته طريقا انتهى . ونقله ابن ناجي في شرحه على المدونة وزاد بعده . قلت : ويجوز
المشي على القبور بالنعال وغيره ولا يحتاج أن يكون عليه سراويل والله أعلم انتهى .
مواهب الجليل — صفحة 75
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٧٥