النبي ( ص ) وأصحابه لم يفعلوا ذلك ، وأول من أحدثه الحجاج ابن يوسف فركب الناس سنته ،
وكأن العلماء في وقته يتركونها ويكرهون الركوب فيها . قال الإمام أبو طالب مكي رحمه الله
في كتابه : وأخاف أن بعض ما يكون من تفاوت الإبل يكون ذلك سببه ثقل ما تحمله ولعله
عدل أربعة أنفس وزيادة مع طول المشقة وقلة المطعم . وقال ابن مجاهد : كان ابن عمر إذا نظر
إلى ما أحدث الحجاج من الزي والمحامل يقول الحاج قليل والركب كثير انتهى . وعن
إسحاق بن سعيد عن أبيه قال : صدرت مع ابن عمر رضي الله عنهما يوم الصدر فمرت بنا
رفقة يمانية رحالهم الأدم . فقال عبد الله بن عمر : من اختار أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت الحج
العام برسول الله ( ص ) وأصحابه إذا قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة . رواه البيهقي
انتهى من منسك ابن جماعة . ذكره في فضل حج الماشي . وفيه في الباب الرابع : ويستحب
الحج على الرحل والمقتب دون المحمل لمن قوي على ذلك ولم يشق عليه اقتداء برسول الله ( ص )
وهو أشبه بالتواضع والمسكنة ولا يليق بالحاج غير ذلك . وعن أنس رضي الله عنه قال : حج
النبي ( ص ) على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو تسوي . ثم قال ( ص ) : اللهم حجة لا
رياء فيها ولا سمعة . رواه ابن ماجة . وبعث النبي ( ص ) مع عائشة أخاها عبد الرحمن رضي الله
عنهما فأعمرها من التنعيم وحملها على قتب . رواه البخاري تعليقا بصيغة الجزم . ويروى
أفضل الحج الشعث التفل واختلف علماء السلف في كراهة ركوب المحمل لغير حاجة ،
فقال بعضهم : لا بأس به . وأكثرهم على الكراهة لما فيه من زي المتكبرين والمترفهين . وقال
طاوس : حج الأبرار على الرحال . وقيل : أول من اتخذ المحامل الحجاج وعنه قال : كنت جالسا
عند جابر بن عبد الله إذا مرت بنا رفقة من أهل اليمن قد أحقبوا بالماء والحطب . قال جابر
رضي الله عنه : ما رأيت رفقة أشبهتنا مع رسول الله ( ص ) من هؤلاء . رواه عبد الرزاق انتهى .
وفي الترمذي عنه عليه السلام وسئل عن الحاج فقال : الشعث التنفل انتهى .
تنبيه : والمقتب بالتشديد اسم مفعول من باب التفعل كذا في النسخ التي وقفت
عليها ، ولم أقف من كلام أهل اللغة على استعمال قتب بالتشديد بل الذي في الصحاح
والقاموس أقتب بالهمز بالبعير من باب الافعال ، وقياسه أن يقال مقتب بالتخفيف كمكرم
اسم مفعول من باب الافعال ، ولعل المصنف وقف عليه ، وعلى كل حال فهو على حذف
مضاف أي وفضل ركوب على مقتب والمقتب ، سواء كان بالتشديد أو بالتخفيف ، هو الذي
جعل له قتب والقتب بفتح القاف والمثناة الفوقية رحل صغير على قدر السنام قاله في
الصحاح : والمحمل قال في القاموس : كمجلس واحد محامل الحاج وكسفر جل علاقة
السيف انتهى . ورأيت في نسخة حاشية الصحاح عن السيد أن محمل الحاج بكسر الميم الأولى
مواهب الجليل — صفحة 517
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٥١٧