بالبعيد حيث قال في نوادره : يريد الراحلة في بعيد الدار . وقبل المتأخرون تقييده بذلك
وذكره ابن يونس عن سحنون ونصه : قال سحنون : الاستطاعة الزاد والراحلة لبعيد الدار
والطريق المسلوك انتهى . بل حكى سند الاجماع على أن من كان دون مسافة القصر لا
يعتبر في حقه وجود الراحلة ونصه : والدليل على الاعتبار بالقدرة دون الملك أن التمكن من
المشي إلى الحج وهو منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة لم يعتبر في وجوبه عليه الراحلة
إجماعا ، وما كان شرطا في الوجوب استوى فيه كل أحد كالعقل والبلوغ انتهى . وعلى هذا
يقول صاحب الشامل ومن تبعه : وثالثها يعتبر الزاد والراحلة لمن بعد مكانه مشكل لأنه يوهم
أن تقييد الشيخ أبي محمد خلاف ، وأن التقييد بالبعيد راجع إلى الزاد والراحلة ولم يذكروه
إلا في الراحلة ، وأما الزاد فلا بد من اعتباره . قال ابن الحاج عن محمد بن وضاح أنه سمع
رجلا من أهل مكة يقول لابن قنبل المكي : ما الاستطاعة التي توجب علينا الحج ؟ قال
: خبزة نتزودها إلى عرفة انتهى .
تنبيهات : الأول : قوله هنا بلا مشقة عظمت هو معنى قوله في منسكه من غير مشقة
فادحة بالفاء والدال والحاء المهملتين أي ثقيلة عظيمة من فدحة الدين إذا أثقله . واحترز بذلك
من مطلق المشقة فإن السفر لا يخلو عنها ولذلك رخص فيها للمسافر بالقصر والفطر وقد قال
عليه الصلاة والسلام السفر قطعة من العذاب متفق عليه . وقال سند : المشقة على حسب
الأحوال فما هان تحمله لم يؤثر وما صعب أثر انتهى .
الثاني : إذا فسرنا الاستطاعة بإمكان الوصول كما هو المشهور دخل في ذلك إمكان
المسير وأمن الطريق ، وإن فسرناها بالزاد والراحلة قال سند : فهما شرطان زائدان . قال أصحاب
الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة : هما شرطا وجوب وهو الجاري على أصول أصحابنا .
وقول ابن حنبل وبعض الحنفية هما شرطا أداء اه . وعلى هذا فعطف المصنف الامن على
النفس والمال على إمكان الوصول من باب عطف الخاص على العام لزيادة الاهتمام به .
الثالث : معنى إمكان المسير أيبقى بينه وبين الحج زمان يمكنه المسير فيه السير المعتاد
لأن فعل العبادة لا يجب إلا بإمكانه كسائر العبادات . قاله سند . قال ابن جماعة الشافعي إثر
نقله كلام سند : وقال غيره من المالكية : إن كان يمكنه حمل المشقة في ذلك لزمه الحج انتهى .
قلت : والظاهر أن هذا ليس بخلاف لما قاله سند لأنه إذا كان يمكنه حمل المشقة وليست
عظيمة فهو مستطيع فيلزمه الحج ، وإن كانت المشقة عظيمة فالظاهر أنه لا يقول أحد بوجوب
مواهب الجليل — صفحة 449
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٤٤٩