شاطئ الفرات فقال : سمعت رسول الله يقول : إن بني إسرائيل اختلفوا
ولم يزل الاختلاف بينهم ، حتى بعثوا حكمين ضالين ضل ( 1 ) من تبعهما ،
ولا ينفك أمركم أن يختلف حتى تبعثوا حكمين ضالين ، ويضل من
اتبعهما ، فقلت : أعيذك بالله أن تكون أحدهما ، قال : فخلع قميصه ، وقال :
برأني الله من ذلك كما برأني من قميصه ( 2 ) .
28 - ومن علمائكم : المغيرة بن شعبة ، وقد شهد عليه ثلاثة بالزنا ،
ولقن الرابع فتلجلج في الشهادة ، فرفع عنه الحد ( 3 ) .
هامش
( 1 ) - وفي " ش " : ضال .
( 2 ) - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 13 ، ص 315 : وروى عن سويد بن غفلة
قال : كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات في خلافة عثمان ، فروى لي خبرا عن
رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : سمعته يقول : " إن بني إسرائيل اختلفوا ، فلم يزل الاختلاف بينهم ،
حتى بعثوا حكمين ضالين ضلا وأضلا من اتبعهما ، ولا ينفك أمر أمتي حتى يبعثوا حكمين
يضلان ويضلان من تبعهما " ، فقلت له : احذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما ! قال : فخلع
قميصه ، وقال : أبرأ إلى الله من ذلك ، كما أبرأ من قميصي هذا .
قال ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق ج 13 ، ص 251 : عن سويد بن غفلة قال :
سمعت أبا موسى الأشعري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يكون في هذه الأمة حكمين
ضالين ، ضال من اتبعهما " . فقلت : يا أبا موسى ، أنظر لا تكون أحدهما ، قال : فوالله ما مات
حتى رأيته أحدهما .
( 3 ) - وفي " ش " : فلجلج في الشهادة حتى رفع عنه الحد .
قال القاضي أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان ج 6 ، ص 364 :
وأما حديث المغيرة بن شعبة الثقفي والشهادة عليه ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد
رتب المغيرة أميرا على البصرة ، وكان يخرج من دار الامارة تصف النهار ، وكان أبو بكرة
المذكور يلقاه فيقول : أين يذهب الأمير ؟ فيقول في حاجة فيقول : إن الأمير يزار ولا يزور .
قالوا : وكان يذهب إلى امرأة يقال لها أم جميل بنت عمرو ، وزوجها الحجاج بن عتيك
بن الحارث بن وهب الجشمي . وقال ابن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب " : هي أم جميل
بنت الأفقم بن محجن بن أبي عمرو بن شعيثة ابن الهرم ، وعدادهم في الأنصار . وزاد غير
ابن الكلبي فقال : الهزم بن رؤيبة ابن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن
بكر بن هوازن ، والله أعلم .
قال الراوي : فبينما أبو بكرة في غرفة مع إخوته ، وهم نافع وزياد المذكوران وشبل ابن
معبد والجميع أولاد سمية المذكورة ، فهم إخوة لام ، وكانت أم جميل المذكورة في غرفة
أخري قبالة هذه الغرفة ، فضربت الريح باب غرفة أم جميل ففتحته ، ونظر القوم فإذا هم
بالمغيرة مع المرأة على هيئة الجماع ، فقال أبو بكرة : هذه بلية قد ابتليتم بها فانظروا ،
فنظروا حتى أثبتوا ، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال له :
إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا ، قال : وذهب المغيرة ليصلي بالناس الظهر ،
ومضى أبو بكرة فقال : لا والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت ، فقال الناس : دعوه فليصل
فإنه الأمير ، واكتبوا بذلك إلى عمر رضي الله عنه ، فكتبوا إليه ، فأمرهم أن يقدموا عليه جميعا
المغيرة والشهود ، فلما قدموا عليه جلس عمر رضي الله عنه ، فدعا بالشهود والمغيرة فتقدم
أبو بكرة فقال له : رأيته بين فخذيها ؟ قال : نعم والله لكأني أنظر إلى تشريم جدري
بفخذيها ، فقال له المغيرة : لقد ألطفت في النظر ، فقال أبو بكرة : لم آل أن أثبت ما يخزيك
الله به ، فقال عمر رضي الله عنه : لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة ،
فقال : نعم أشهد على ذلك فقال : فاذهب عنك مغيرة ذهب ربعك ، ثم دعا نافعا فقال له :
علام تشهد ؟ قال : على مثل شهادة أبي بكرة ، قال : لا ، حتى تشهد أنه ولج فيها ولوج
الميل في المكحلة ، قال : نعم حتى بلغ قذذه - قلت ، القذذ : بالقاف المضمومة وبعدها
ذالان معجمتان وهي ريش السهم - قال الراوي : فقال له عمر رضي الله عنه : اذهب مغيرة ذهب
نصفك ، ثم دعا الثالث فقال له : على ما تشهد ؟ فقال : على مثل شهادة صاحبي ، فقال له
عمر رضي الله عنه : اذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك .
ثم كتب إلى زياد ، وكان غائبا فقدم ، فلما رآه جلس له في المسجد واجتمع عنده
رؤوس المهاجرين والأنصار ، فلما رآه مقبلا قال : إني أرى رجلا لا يخزي الله على لسانه
رجلا من المهاجرين ، ثم إن عمر رضي الله عنه رفع رأسه إليه فقال : ما عندك يا سلح الحباري ؟
فقيل إن المغيرة قام إلى زياد فقال : لا مخبأ لعطر بعد عروس - قلت : وهذا مثل للعرب
لا حاجة إلى الكلام عليه ، فقد طالت هذه الترجمة كثيرا - . قال الراوي : فقال له المغيرة : يا
زياد ، أذكر الله تعالى واذكر موقف يوم القيامة ، فإن الله تعالى وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين
قد حقنوا دمي ، إلا أن تتجاوز إلى ما لم تر مما رأيت ، فلا يحملنك سوء منظر رأيته على أن
تتجاوز إلى ما لم تر ، فوالله لو كنت بين بطني وبطنها ما رأيت أن يسلك ذكري فيها ، قال
فدمعت عينا زياد واحمر وجهه وقال : يا أمير المؤمنين ، أما إن أحق ما حق القوم فليس
عندي ، ولكن رأيت مجلسا وسمعت نفسا حثيثا وانتهازا ورأيت مستبطنها ، فقال
عمر رضي الله عنه : رأيته يدخل كالميل في المكحلة ؟ فقال : لا ، وقيل قال زياد : رأيته رافعا رجليها
فرأيت خصييه تتردد إلى بين فخذيها ورأيت حفزا شديدا وسمعت نفسا عاليا ، فقال
عمر رضي الله عنه : رأيت يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة ؟ فقال : لا ، فقال عمر رضي الله عنه : الله أكبر
قم إليهم فاضربهم ، فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين ، وأعجبه قول زياد ،
ودرأ الحد عن المغيرة . فقال أبو بكرة بعد أن ضرب : أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا ، فهم
عمر رضي الله عنه أن يضربه حدا ثانيا ، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إن ضربته فارجم
صاحبك ، فتركه . واستتاب عمر أبا بكرة فقال : إنما تستتيبني لتقبل شهادتي ، فقال : أجل ،
فقال : لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا . فلما ضربوا الحد قال المغيرة : الله أكبر ،
الحمد لله الذي أخزاكم ، فقال عمر رضي الله عنه : بل أخزى الله مكانا رأوك فيه .
وذكر عمر بن شبة في كتاب " أخبار البصرة " أن أبا بكرة لما جلد أمرت أمه بشاة
فذبحت وجعلت جلدها على ظهره ، فكان يقال ما ذاك إلا من ضرب شديد . وحكى عبد
الرحمن بن أبي بكرة أن أباه حلف لا يكلم زيادا ما عاش ، فلما مات أبو بكرة كان قد أوصى
أن لا يصلي عليه زياد ، وأن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي ، وكان النبي صلى الله عليه وآله آخى بينهما ،
وبلغ ذلك زيادا فخرج إلى الكوفة . وحفظ المغيرة بن شعبة ذلك لزياد وشكره .
ثم إن أم جميل رافقت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالموسم ، والمغيرة هناك فقال له عمر :
أتعرف هذه المرأة يا مغيرة ؟ قال : نعم هذه أم كلثوم بنت علي ، فقال له عمر : أتتجاهل
علي ؟ والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك ، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء .
قلت : ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في أول باب عدد الشهود في كتاب " المهذب " :
وشهد على المغيرة ثلاثة : أبو بكرة ، ونافع ، وشبل بن معبد ، وقال زياد : رأيت استا تنبوا
ونفسا يعلو ورجلين كأنهما أذنا حمار ، ولا أدري ما رواء ذلك ، فجلد عمر الثلاثة ولم يحد
المغيرة .
قلت : وقد تكلم الفقهاء على قول علي رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه إن ضربته فارجم صاحبك ،
فقال أبو نصر ابن الصباغ - المقدم ذكره - وهو صاحب كتاب " الشامل " في المذهب : يريد
أن هذا القول إن كان شهادة أخرى فقد تم العدد ، وإن كان هو الأول فقد جلدته عليه والله
أعلم .
وذكر عمر بن شبة في " أخبار البصرة " أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال لعمر بن
الخطاب رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسل أقطعني البحرين ، فقال : ومن يشهد لك بذلك ؟ قال :
المغيرة بن شعبة ، فأبى أن يجيز شهادته .
[ قال ابن خلكان ] : قلت : وقد طالت هذه الترجمة ، وسببه أنها اشتملت على عدة
وقائع ، فدعت الحاجة إلى الكلام على كل واحدة منها فانتشر القول لأجل ذلك ، وما خلا
عن فوائد .
سب رجل عليا ( ع ) عند المغيرة فلم ينكر ولم يرد ، حلية الأولياء ، ج 1 ، ص 95 .