Skip to main content

مطارح الأنظار — Page 151

Contributors:

P.151
مرتبة من مراتب العقل وطور من أطواره حيث إن جهة الارتباط والاستئناس باستفادة المعاني من الألفاظ بواسطة العلم بأوضاعها أو قرائنها يسمى بالعرف ولا شك أن هذه أيضا من مظاهر العقل وجنوده وكيف يعقل اختلاف حكمي العقل والعرف في موضوع واحد مع أن العرف هم العقلاء وذلك ظاهر وكذا لا سبيل إلى الثاني كأن يكون هناك موضوعان يحكم العقل في أحدهما بالجواز كما إذا فرضنا أن متعلق الأوامر هو الطبائع وفرضنا جواز اجتماع حكمين متضادين في فرد واحد من طبيعتين من تلك الطبائع ويحكم العرف في الآخر بالامتناع كما إذا فرضنا أن متعلق الأمر والنهي خصوص الفرد الجامع للعنوانين فإنه لا كلام في امتناع ذلك حتى من المجوزين ففي كل واحد من الموضوعين يتطابق العقل والعرف في الحكم بالامتناع والجواز لما عرفت من أنه لا حكومة للعرف في قبال حكومة العقل وحينئذ نقول إن المستفاد من الخطابات الشرعية من الأوامر والنواهي إما الموضوع الذي يحكم العقل فيه بالجواز كما تخيله المجوزون من تعلق الأوامر بالطبائع وكفاية تعدد الجهة في رفع التضاد أو الموضوع الذي يحكم العرف فيه بالامتناع وعلى التقديرين لا وجه للتفصيل المذكور لما عرفت من تطابق العقل والعرف في كل واحد من الموضوعين بالجواز والامتناع ومع ذلك لم يبق للتفصيل وجه يمكن التعويل عليه ويركن إليه فإن قلت إن الوجه في التفصيل هو أن المستفاد من الأمر والنهي بمقتضى الوضع في اللغة هو المعنى الذي لا يستحيل عقلا اجتماع الوجوب والحرمة كما مر في دليل المجوّزين وهذا المعنى ليس مستفادا عند العرف بل المستفاد عندهم هو المعنى الذي يستحيل عقلا اجتماع الوجوب والحرمة فيه كأن يكون المستفاد من الخطابات تعلق التكاليف ابتداء بخصوص الأفراد فليس العرف حاكما في قبال العقل إلا أن استناد الامتناع إليه بواسطة أن موضوعه مما للعرف مدخل فيه ولو من حيث استفادة ذلك الموضوع من اللفظ قلت إن وجه اختلاف المعنى اللغوي للمعنى العرفي إمّا الوضع الثانوي أو القرينة والأول معلوم العدم وظني أنه لا يدعيه المفصّل أيضا والثاني إما أن يكون عقلا أو غيره من غلبة الاستعمال أو الوجود مما هو منشأ الاختلاف أمّا الأول فلا نجد في العقل ما يقضي بأن يكون المستفاد من قول الشارع صل ولا تغصب الموضوعين في اللغة لطلب طبيعة الصّلاة والنهي عن طبيعة الغصب وجوب خصوص الفرد وحرمته حتى يلزم المحذور فإن المفروض أن لا امتناع في ذلك فلا داعي للعقل في صرفه عن ظاهره وعلى تقدير الامتناع فالوجه صرفه إلى معنى غير ممتنع لا إلى معنى أشدّ امتناعا من معناه الحقيقي كأن يحمل على الأفراد كما هو مقصود المفصّل وأما الثاني فلا نعرف شيئا يقضي بأن المستفاد من الخطابات الشرعية غير مداليلها اللغوية فضلا عن تعيين الأفراد حتى يترتب عليه التفصيل المذكور فالحق أن ما ذكروه من قضاء العرف بالامتناع أعدل شاهد على أن اجتماع الوجوب والحرمة في مورد اجتماع الطبيعتين من الأمور المستحيلة لما قد تقدم من أن التخصيص لا يعقل بدون التعارض وهو عين الامتناع ثم إن ظاهر المفصل هو ما قدمنا دفعه من أن العرف حاكم بالامتناع في موضوع حكم العقل بالجواز ولذلك تعرضنا لدفعه أولا فتدبر ثم إنّه قد يورد على المجوزين اتفاقهم على التعارض فيما إذا كان العموم من وجه بين متعلقي الأمر والنهي كما في قولك أكرم العالم ولا تكرم الفاسق ويظهر ذلك بالرجوع إلى كلمات الفقهاء في الأبواب الفقهية والأصوليين في باب التعادل والتراجيح مع أنه لا يعقل فرق بين أن يكون العموم من وجه بين العنوانين في الأمر والنهي بملاحظة نفس المفهومين كالغصب والصلاة أو بملاحظة متعلقهما كما في المثال المذكور ويمكن أن يجاب عن ذلك بمثل ما ذكرنا في وجه التفصيل وحاصله أن العرف وإن قلنا بأنه لا يقضي بتعلق الطلب في مثل قولك صل ولا تغصب بالفرد إلا أنه قاض بتعلقه بالفرد في قولك أكرم العالم ولعل السر في ذلك هو أن الوجه في اختلاف المأمور به والمنهي عنه هو تعلق المأمور به والمنهي عنه بالعالم والفاسق وهما في المثال المذكور لا يراد بهما مفهوم العالم والفاسق على وجه يكون ثبوت الحكم لزيد العالم باعتبار ثبوت هذا المفهوم لزيد بل العالم عنوان لزيد على وجه يكون زيد متعلقا للحكم ابتداء من دون سراية قبول الأمر إلى اجتماع وجوب الإكرام لزيد وحرمته له بواسطة جهتين تعليليتين وذلك مما اتفق المجوز والمانع على امتناعه وفيه أن اعتبار العالم لأفراده على وجه يكون عنوانا لها من غير سراية ويكون الحكم ثابتا لزيد ابتداء يشبه أن يكون من سخيف الكلام فإن الظاهر وجوب إكرام زيد من حيث إنه فرد من أفراد العالم والمفروض حصول طبيعة الفاسق فيه أيضا فيحرم إكرامه كما هو مفاد النهي فالقائل بالجواز يلزمه القول بالجواز في المقام أيضا لأن العالم والفاسق طبيعتان مختلفتان تعلق بإحداهما الوجوب وبالأخرى الحرمة وقد اجتمعتا في فرد واحد فيجب إكرام إحداهما ويحرم إكرام الأخرى فلو فرض إكرام مورد الاجتماع كان بذلك عاصيا من جهة إكرام الفاسق ومطيعا من جهة إكرام العالم فلو كانت الجهتان تعليليتين فلم لا نقول به في مثل الغصب والصلاة فإن قلت هب أن العالم والفاسق مفهومان متغايران ولكن متعلق الأمر والنهي واحد وهو الإكرام بخلاف صل ولا تغصب لاختلاف المتعلقين فيهما قلت إن المدار على الاختلاف في المعنى وإن اتحد المتعلقان في الصورة وهو حاصل في المقام فإن إضافة الإكرام إلى العالم والفاسق ونحوهما يوجب تنويع الإكرام إلى أفعال يصح تعلق الأمر بأحدها والنهي بغيره كما يلاحظ في السجود المضاف إليه تعالى