ولا أدري لم لم يستلحق معاوية عمرا كما استلحق زيادا فإن لديه ما هو أكثر وأقوى من الدليل الذي استلحق به زيادا ، ولعل معاوية خاف أن يغلبه على الأمر بدهائه ، ويسلبه منه بخداعه ، فطوى عن ذلك كشحا . وإنما أفضنا في ذكر « النابغة » ليعلم أنها مشهورة بهذا اللقب ، معروفة بهذه الصفة ، وان الرضي لم ينفرد بما نقله عن أمير المؤمنين عليه السّلام من ذكره لها ، كما لم ينفرد بما نقله عن أمير المؤمنين عليه السّلام بتعيير عمرو بها . ولابن أبي الحديد كلام لطيف فيما نسبه ابن العاص لعلي عليه السّلام من الدعابة نقتطف منه ما يلي قال : « أما ما كان يقوله عمرو بن العاص في علي عليه السّلام لأهل الشام : « ان فيه دعابة » يروم أن يعيبه بذلك عندهم ، فأصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها منه حتى تلقفها ، حتى جعلها أعداؤه عيبا له وطعنا عليه - ثم نقل عن ( أمالي ) ثعلب كلاما دار بين عمرو ابن عباس منه : يا بن عباس إني فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي ، ثم قال : لعلك ترى صاحبك لها أهلا قلت : وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه قال صدقت ولكنه امرؤ فيه دعابة - ( 1 ) إلى أن قال : فأقبل علي ، فقال : ان أحراهم أن يحملهم على
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 112
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص١١٢
هامش
( 1 ) وتكررت هذه القولة من عمر ( رض ) في أمير المؤمنين عليه السّلام وحتى في اخر أيامه ، روى الواقدي عن ابن عباس قال : قال عمر ما اصنع بأمة محمد - وذلك قبل ان يطعن - فقلت ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم قال : اصاحبكم يعني عليا قلت : نعم هو لها أهل في قرابته من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصهره وسابقته وبلائه قال : ان فيه بطالة وفكاهة . . نقل ذلك السيد المرتضى في ( الشافي ) ص 58 عن الواقدي ثم علق المرتضى على ذلك بقوله : انه وصف عليا بوصف لا يليق به ولا ادعاه عدو قط ، بل هو معروف بضده من الركانة والبعد عن المزاح والدعابة ، وهذا معلوم ضرورة لمن سمع اخباره عليه السّلام ، وكيف يظن به ذلك وقد روى ابن عباس أنه قال : كان أمير المؤمنين علي عليه السّلام - إذا اتى هبنا ان نبتدئه بالكلام ، وهذا لا يكون الا من شدة التزمت والتوقر ، وما يخالف الدعابة والفكاهة . وقوله لما طعن : ( لله أنت لولا دعابة فيك أم والله لو وليتهم لتحملنهم على الحق ، والطريق المستقيم روى ذلك أبو عثمان الجاحظ في كتاب ( السفيانية ) . كما روى ما يضارعه ابن جرير وابن الأثير وكل من تعرض لقصة مقتل عمر وحديث الشورى من المؤرخين .