بجمله ، فكيف يكون الأستاذ العليم والإمام الحكيم علي بن أبي طالب لقد كان على في خطبه المتدفقة يمثل بحرا خضما من العلماء الربانيين وأسلوبا جديدا لم يكن إلا لسيد المرسلين ، وطرق بحوثا من التوحيد لم تكن تخضع في الخطابة إلا لمثله ، فهي فلسفة سامية لم يعرفها الناس قبله ، فدانت لبيانه ، وسلست في منطقه وأدبه .
وخاض في أسرار الكون ، وطبائع الناس ، وتشريح النفوس ، وبيان خصائصها وأصنافها ، وعرض لمداخل الشيطان ومخارجه ، وفتن الدنيا وآفاتها ، في الموت وأحواله ، وفي بدء الخلق ، ووصف الأرض ، وفي شأن السماء وما يعرج فيها من أملاك ، وما يحف بها من أفلاك ، كما عرض لملك الموت وأطال في وصفه .
وخطب على في السياسة وفي شؤون البيعة والعهد والوفاء ، واختيار الأحق وما أحاط بذلك من ظروف وصروف ، كتحكيم صفين وما تبعه من آثار سيئة وتفرق الكلمة .
ولم يفته أن ينوه في خطبه بأنصار الحق ، وأعوان الخير ، والدعوة إلى الجهاد ، وفيها محاجة للخوارج ونصحه لهم ولأمثالهم باتباع الحق وغير ذلك مما يكفي فيه ضرب المثل ، ولفت النظر .
وغير أن ناحية عجيبة امتاز بها الإمام ، هي ما اختص بها الصفوة من الأنبياء ومن على شاكلتهم كانت تظهر في بعض تجلياته ، وأشار إليها في بعض مقاماته ، ولم يسلك فيها سواه إلا أن يكون رسول الله صلوات الله عليه .
فقد ذكر كثيرا من مستقبل الأمة ، وأورد ما يكون لبعض أحزابها كالخوارج وغيرهم ، ومن ذلك وصفه لصاحب الزنج وذكر الكثير من أحواله وذلك من غير شك لون من الكرامات .
هذا إلى أنه طرق نواحي من القول كانت من خواص الشعر إذ ذاك ،
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 111
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص١١١