فقال سلمان : ما أجهلكم ! كيف يكون مستجيباً دعائي إذا فعل بي خلاف ما أُريد منه ، أنا أردت منه الصبر ، فقد استجاب لي وصبّرني ولم أسأله كفّكم عنّي فيمنعني حتّى يكون ضدّ دعائي كما تظنّون .
فقاموا إليه ثالثة بسياطهم فجعلوا يضربونه ، وسلمان لا يزيد على [ قوله : ] « اللّهمّ ! صبّرني على البلاء في حبّ صفيّك وخليلك محمّد » .
فقالوا له : يا سلمان ! ويحك ، أوليس محمّد قد رخّص لك أن تقول كلمة الكفر [ به ] بما تعتقد ضدّه للتقيّة من أعدائك ، فما بالك لا تقول ( ما يفرّج عنك ) للتقيّة ؟
فقال سلمان : إنّ اللّه تعالى قد رخّص لي في ذلك ، ولم يفرضه عليّ ، بل أجاز لي أن لا أعطيكم ما تريدون ، وأحتمل مكارهكم ، وأجعله أفضل المنزلتين ، وأنا لا أختار غيره .
ثمّ قاموا إليه بسياطهم ، وضربوه ضرباً كثيراً ، وسيّلوا دماءه ، وقالوا له - وهم ساخرون : لا تسأل اللّه كفّنا عنك ، ولا تظهر لنا ما نريد منك لنكفّ به عنك ، فادع علينا بالهلاك إن كنت من الصادقين في دعواك ، أنّ اللّه لا يردّ دعاءك بمحمّد وآله الطيّبين [ الطاهرين ] .
فقال سلمان : إنّي لأكره أن أدعو اللّه بهلاككم مخافة أن يكون فيكم من قد علم اللّه أنّه سيؤمن بعد ، فأكون قد سألت اللّه تعالى اقتطاعه عن الإيمان .
فقالوا : قل : اللّهمّ ! أهلك من كان في معلومك أنّه يبقى إلى الموت على تمرّده ، فإنّك لا تصادف بهذا الدعاء ما خفته .
قال : فانفرج له حائط البيت الذي هو فيه مع القوم وشاهد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يقول : يا سلمان ! ادع عليهم بالهلاك ، فليس فيهم أحد يرشد كما دعا نوح ( عليه السلام ) على قومه لمّا عرف أنّه لن يؤمن من قومه إلاّ من قد آمن .
فقال سلمان : كيف تريدون أن أدعو عليكم بالهلاك ؟
موسوعة الإمام العسكري ( ع ) — صفحة 177
مساهمون: مؤسسة ولي العصر ( عج ) للدراسات الإسلامية
ص١٧٧