وقلت في نفسي : فما بال سيّدي لم يمدّ يده حتّى نمدّ أيدينا بعده ، ونأكل من هذا الثمر ، فإنّا نشكّ أنّه من تمر الجنّة .
فعلم ما في نفسي ، فقال لي : يا أبا جعفر ! كل طعام المؤمنين حلال ، ولم أمسك يدي إلاّ لحضور قوم من إخوانكم من الجنّ بإعدادكم ، قد جلسوا معكم ، وقد أمرتكم به ، وها أنا أمدّ يدي ، فمدّوا أيديكم .
فمددنا أيدينا ، وأكلنا ونحن ننظر إلى مواضع أيدي إخواننا من الجنّ ، فنرى يؤخذ من الثمر مثل ما نأخذ بالسويّة ، ولا نرى أيديهم .
فقلت في نفسي : لو شاء مولاي لكشف لنا عنهم حتّى نراهم كما يروننا .
فقال : حيّوا بعمّي وقرّة عيني أبي جعفر ، ثمّ مدّ يده ومرّ على أعيننا فكان بيننا وبينهم سدّاً ، ثمّ كشف عن أعيننا وتجلّت فأردنا أن نعتنقهم .
فقال لنا : حرمة الطعام أوجب ، فقد بدأتم به ، فإذا قضيتم أريكم منه ، فافعلوا بإخوانكم ما تشاؤون .
فلبثنا ننظر إليهم شحب الألوان ، نحل الأبدان ، غاضّين أعينهم ، يتكلّمون خفاتاً ، وأعينهم ترغرغ ( 1 ) بالدمع .
فقلنا : يا سيّدنا ! الجنّ بهذه الصورة كلّهم ؟
فقال : لا ، فيهم ما فيكم ، وأمّا هؤلاء فاسألوهم ، فإنّهم لا يطعمون طعاماً ولا يشربون شراباً إلاّ في وقت قيام نبيّ أو وصيّ ، فيأمرهم فيأكلون طاعة له ، لا رغبة في الطعام والشراب ، وقد صرفوا أنفسهم للّه ، وأشغلتهم الرهبة والخوف من اللّه عن الطعام والشراب ، فصارت صورهم كما ترون .
فقلنا : يا سيّدنا ! لقد أقررت أعيننا بالنظر إلى إخواننا هؤلاء من الجنّ .
هامش
( 1 ) رغرغ : انغمس في الخير . ورغرغ للأمر : أخفاه . المنجد : 268 ، ( رغّ ) .