تنبيه : محل صحة إجارتها إذا كان من غيرها ، أما إذا أجرها نفسها فإنه لا يصح ، بخلاف بيعها من نفسها كما
سيأتي . ولو مات السيد بعد أن أجرها انفسخت الإجارة ، فإن قيل : لو أعتق رقيقه المؤجر لم تنفسخ فيه الإجارة
فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن السيد في العبد لا يملك منفعة الإجارة ، فإعتاقه ينزل على ما يملكه ، وأم الولد
ملكت نفسها بموت سيدها فانفسخت الإجارة في المستقبل . ويؤخذ من هذا أنه لو أجرها ثم أحبلها ثم مات لا تنفسخ
الإجارة ، وهو كذلك . ( وكذا ) له ( تزويجها بغير إذنها في الأصح ) لبقاء ملكه عليها وعلى منافعها ، فملك تزويجها
كالمدبرة . والثاني : لا يجوز إلا بإذنها ، كالمكاتبة . والثالث : لا يجوز وإن أذنت لأنها ناقصة في نفسها وولاية السيد
ناقصة ، فأشبهت الصغيرة لا يزوجها الأخ بإذنها . ولو عبر المصنف بالأظهر لكان أولى ، فإن الخلاف أقوال كما ذكراه في الروضة
وأصلها . وله تزويج بنتها جبرا لما مر في أمها ، ولا حاجة إلى استبرائها ، بخلافه لفرشها ، ولا يجبر ابنها على النكاح
، ولا له أن ينكح بلا إذن السيد ، وبإذنه يجوز . وعلى الأول يستثنى الكافر فلا يزوج مستولدته المسلمة على الأصح .
وما استثناه البغوي من أن المبعض لا يزوج مستولدته ممنوع كما قاله البلقيني ، لأن السيد يزوج أمته بالملك لا بالولاية .
( ويحرم ) ويبطل ( بيعها ورهنها وهبتها ) لخبر الدارقطني السابق في الأولى والثالث ، ولأنها لا تقبل النقل فيهما ،
وقياسا للثاني عليهما ، ولان فيه تسليطا على المبيع وقد قام الاجماع على عدم صحة بيعها . واشتهر عن علي رضي الله
عنه أنه خطب يوما على المنبر فقال في أثناء خطبته : اجتمع رأيي ورأي عمر على أن أمهات الأولاد لا يبعن ، وأنا الآن
أرى بيعهن . فقال عبيدة السلماني : رأيك مع رأي عمر - وفي رواية : مع الجماعة - أحب إلينا من رأيك وحدك . فقال :
اقضوا فيه ما أنتم قاضون ، فإني أكره أن أخالف الجماعة . فلو حكم حاكم بصحة بيعها نقض حكمه لمخالفته الاجماع .
وما كان في بيعها من خلاف بين القرن الأول فقد انقطع وصار مجمعا على منعه . وأما خبر أبي داود وغيره عن جابر :
كنا نبيع أمهات سرارينا أمهات الأولاد والنبي ( ص ) حي لا نرى بذلك بأسا الذي استدل به القديم
على جواز البيع ، فأجيب عنه بجوابين : الأول أنه منسوخ ، الثاني : أن هذا منسوب إلى النبي ( ص ) استدلالا
واجتهادا فيقدم عليه ما نسب فيه قولا ونصا وهو الحديث السابق عن الدارقطني . وقيل : إن النبي ( ص )
لم يعلم بذلك كما قال ابن عمر : كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ( ص ) نهى
عن المخابرة فتركناها .
فائدة : قد ناظر في هذه المسألة أبو بكر بن داود بن سريج ، فقال أبو بكر : أجمعنا على أنها قبل أمية الولد كانت
تباع فيستصحب هذا الاجماع إلى أن يثبت ما يخالفه ، فقال له ابن سريج : أجمعنا على أنها حين كانت حاملا بحر لا تباع
فيستصحب هذا الاجماع القريب إلى أن يثبت ما يخالفه ، فأفحمه .
تنبيه : قد يقتضي كلام المصنف منع كتابته ، لأن الكتابة اعتياض عن الرقبة ، ونقله الروياني عن النص ،
ولكن الأصح كما في الرافعي الجواز . وأشعر قرنه البيع بالهبة أنه حيث حرم بيعها حرم هبتها وعكسه ، لكن استثنى منه
المرهونة والجانية فإنه يجوز بيعها ولا تجوز هبتها . ويستثنى من إطلاقه منع بيعها من نفسها بناء على أنه عقد عتاقة ، وهو
الأصح ، وكبيعها في ذلك هبتها كما صرح به البلقيني بخلاف الوصية به لاحتياجها إلى القبول ، وهو إنما يكون بعد الموت
وعتقها يقع عقبه . وليس له بيعها ممن تعتق عليه ، ولا يشرط العتق ولا ممن أقر بحريتها ، فإنا ولو قلنا هو من جهة المشترى
افتداء وبيع من جهة البائع يثبت له فيها الخيار ففيه نقل مالك كالصورتين الأولتين . ويؤخذ من البناء المار في بيعها من نفسها
أن محله إذا كان السيد حر الكل ، أما إذا كان مبعضا فإنه لا يصح لأنه عقد عتاقة كما مر وهو ليس من أهل الولاء ، وهذا مأخوذ
من كلامهم وإن لم أر من ذكره . والهبة كالبيع فيما ذكر . وهذا كله إذا لم يرتفع الايلاد ، فإن ارتفع بأن كانت كافرة وليست
لمسلم وسبيت وصارت قنة فإنه يصح جميع التصرفات فيها ، فلو عادت لملكها بعد ذلك لم يعد الاستيلاد ، لأنا أبطلناه
بالكلية ، بخلاف المستولدة المرهونة إذا بيعت ثم ملكها الراهن لأنا إنما أبطلنا الاستيلاد فيها بالنسبة إلى المرتهن
مغني المحتاج — صفحة 542
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٥٤٢