( لا يقبل غيرهم ) لما فيه من التضييق على الناس ، إذ قد يتحمل الشهادة غيرهم ، فإذا لم يقبل ضاع الحق ، وقد قال تعالى : *
( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * فإن عين شهودا وقبل غيرهم لم يحرم ولم يكره كما قاله الماوردي . ( وإذا شهد ) عند القاضي
( شهود فعرف ) فيهم ( عدالة أو فسقا عمل بعلمه ) فيهم فيقبل من عرف عدالته ولم يحتج إلى تعديل وإن طلبه الخصم ،
ويرد من عرف فسقه ولا يحتاج إلى بحث .
تنبيه : محل هذا في العدالة في غير أصله وفرعه ، أما هما ففيهما وجهان ، أرجحهما كما قاله البلقيني عدم الجواز
ما لم تقم عنده بينة بعدالتهما تفريعا على تصحيح الروضة أنه لا يقبل تزكيته لهما . ( وإلا ) بأن لم يعرف القاضي في الشهود
عدالة ولا فسقا ، ( وجب الاستزكاء ) أي طلب القاضي منهم التزكية ، وهي البحث عن حال الشهود سواء أطلبه الخصم
أم لا ، طعن في الشهود أم لا ، اعترف بعدالتهم أم لا ، لأن الحكم يقع بشهادتهم فيجب البحث عن شرطها . نعم لو
صدقهما الخصم فيما شهدوا به قضى بإقراره لا بالبينة .
تنبيه : لو جهل إسلام الشهود رجع فيه إلى قولهم بخلاف جهله بحريتهم ، فإنه لا بد من البينة . ولو شهد عليه
شاهدان معروفان بالعدالة واعترف الخصم بما شهدا به قبل الحكم عليه ، فالحكم بالاقرار لا بالشهادة لأنه أقوى ، بخلاف
ما لو أقر بعد الحكم فإن الحكم قد مضى مستندا إلى الشهادة ، هذا ما نقله في أصل الروضة عن الهروي وأقره . وتقدم في
باب الزنا أن الأصح عند الماوردي اعتبار الأسبق من الاقرار والشهادة ، وتقدم ما فيه . وقول ابن شهبة : والصحيح
استناده إلى المجموع ممنوع . ثم بين صورة الاستزكاء بقوله : ( بأن ) أي كأن ( يكتب ) القاضي ( ما يتميز به الشاهد والمشهود
له ، و ) المشهود ( عليه ) من اسم وكنية إن اشتهر بها ، وولاء إن كان عليه ولاء ، واسم أبيه وجده وحليته وحرفته وسوقه
ومسجده لئلا يشتبه بغيره ، وقد يكون بينهما وبين الشاهد ما يمنع الشهادة كبغضة أو عداوة ، فإن كان الشاهد مشهورا
وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف اكتفي به . ( وكذا قدر ) المشهود به من ( الدين ) وغيره ( على الصحيح ) لأنه قد يغلب
على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير . والثاني : لا يكتبه ، لأن العدالة لا تختلف بقلة المال وكثرته ، ونقله الإمام عن
معظم الأئمة ، وقال عن الأول : ليس بسديد ، فكان الأولى التعبير بالأصح لا بالصحيح ، وأن يقول : وكذا ما شهدوا به
ليعلم الدين والعين والنكاح والقتل وغيرها ، وليستغني عما قدرته في كلامه . ( و ) أن ( يبعث به ) أي بما كتبه ( مزكيا ) هو
نصب بإسقاط الخافض ، وصرح به في المحرر ، فقال : إلى مزك . وفي الشرح والروضة : ينبغي أن يكون للقاضي مكون
وأصحاب مسائل ، فالمزكون الرجوع إليهم ليبينوا حال الشهود ، وأصحاب المسائل هم الذين يبعثهم القاضي إلى
المزكين ليبحثوا ويسألوا ، وربما فسر أصحاب المسائل في لفظ الشافعي رضي الله عنه بالمزكين اه . قال في الروضة :
ويكتب لكل مزك كتابا ويدفعه إلى صاحب مسألة ويخفي كل كتاب عن غير من دفعه إليه وغير من يبعثه احتياطا لئلا
يسعى المشهود له في التزكية والمشهود عليه في الجرح . ( ثم ) إن عاد إليه الرسل بجرح من المزكين توقف عن الحكم
وكتم الجرح وقال للمدعي : زدني في الشهود أو عادوا إليه بتعديل لم يحكم بقولهم ، بل ( يشافهه ) أي القاضي ( المزكى )
المبعوث إليه ( بما عنده ) من حال الشهود من جرح أو تعديل ، لأن الحكم يقع بشهادته ويشير إلى المزكي ليأمن بذلك
الغلط من شخص إلى آخر ، ولا يقتصر المزكى على الكتابة للقاضي مع أصحاب المسائل في الأصح . ( وقيل تكفي كتابته )
له معهم من غير مشافهة ، وهذا ما اختاره القاضي حسين وأصحابه وعليه عمل القضاة الآن من اكتفائهم برؤية سجل
العدالة وليس المراد بالمزكى واحدا كما يشعر به كلامه بل اثنين فأكثر .
مغني المحتاج — صفحة 403
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٤٠٣