من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
( حديث شريف )
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الجراح
كتاب الجراح
هو بكسر الجيم جمع جراحة ، وهي إما مزهقة الروح أو مبينة للعضو أو لا تحصل واحد منهما . ولما كانت الجراحة
تارة تزهق النفس إما بالمباشرة وإما بالسراية ، وتارة تبين عضوا ، وتارة لا تفعل شيئا من ذلك جمعها لاختلاف
أنواعها ، وكان التبويب بالجنايات أولى لشمولها الجناية بالجرح وغيره كالقتل بمثقل ومسموم وسحر ، لكن قال الرافعي
لما كانت الجراحة أغلب طرق القتل حسنت الترجمة بها . وأما الجرح بضمها فهو الاسم ، والجمع جروح ، واجترح
بمعنى اكتسب ، ومنه : * ( ويعلم ما جرحتم بالنهار ) * . وجوارح الانسان أعضاؤه ، وجوانحه أطراف ضلوعه . والأصل
في الباب قبل الاجماع آيات ، كقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ) * وأخبار كخبر الصحيحين
" اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل : وما هن يا رسول الله ؟ قال : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق
وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات . وقتل الآدمي عمدا بغير حق أكبر الكبائر
بعد الكفر . وقد سئل النبي ( ص ) : أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك . قيل : ثم أي ؟ قال
: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك رواه الشيخان . قال ( ص ) : لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال
الدنيا وما فيها رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وتصح توبة القاتل عمدا لأن الكافر تصح توبته فهذا أولى . ولا
يتحتم عذابه ، بل هو في خطر المشيئة ، ولا يخلد عذابه إن عذب وإن أصر على ترك التوبة كسائر ذوي الكبائر غير
الكفر ، وأما قوله تعالى : * ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) * فالمراد بالخلود المكث الطويل ، فإن الدلائل
متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم ، أو مخصوص بالمستحل لقتله كما ذكره عكرمة وغيره . وإذا اقتص
منه الوارث أو عفا على مال أو مجانا فظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الدار الآخرة كما أفتى به المصنف ، وذكر
مثله في شرح مسلم ، لكن ظاهر تعبير الشرح والروضة يدل على بقاء العقوبة ، فإنهما قالا : ويتعلق بالقتل المحرم وراء
العقوبة الأخروية مؤاخذات في الدنيا . وجمع بين الكلامين بأن كلام الروضة وأصلها مفروض فيمن مات مصرا على
القتل ، وكلام الفتاوى وشرح مسلم مفروض فيمن تاب ثم أقيم عليه الحد . ولو قال في الروضة وأصلها : ويتعلق بالقتل المحرم
وراء استحقاق العقوبة الأخروية بدل قوله : وراء العقوبة لكان أولى ، لأن العقوبة غير مجزوم بها لجواز العفو . ومذهب أهل
السنة أن المقتول لا يموت إلا بأجله ، والقتل لا يقطع الاجل خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا القتل يقطعه . ثم شرح المصنف في تقسيم