الأب والام حرم التفريق بينه وبينها وحل بينه وبين الأب ، أو اجتمع الأب والجدة للأم عند فقد الام فهما سواء فيباع
مع أيهما كان كما هو قضية كلام الحاوي الصغير ، والجدة للأم كالأم عند عدمها لا عند وجودها على الأصح . وفي الجدات
والأجداد للأب عند فقد الأبوين وأم الام ثلاثة أوجه حكاها الشيخان في باب السير من غير ترجيح ، ثالثها : جواز التفريق
في الأجداد دون الجدات لأنهم أصلح للتربية . قال الولي العراقي : ويظهر تصحيح المنع وهو الذي أورده الروياني والجرجاني ،
وأما الجد للام فقال المتولي : إنه كالجد للأب ، وقال الماوردي : إنه كسائر المحارم . والأقرب كما قال السبكي الأول .
ولا يحرم التفريق بينه وبين سائر المحارم كالأخ والعم وإن قوى السبكي التحريم بينه وبينهم . ( وإذا فرق ) بين الولد بعد سقيه
اللبأ وبين من يمتنع التفريق بينه وبينه ، ( ببيع أو هبة بطلا في الأظهر ) لعدم القدرة على التسليم شرعا . والثاني : لا ، لأن النهي
للاضرار لا للخلل في نفس المبيع ، وعلى هذا لا نقرهما على التفريق ، بل إن تراضيا على ضم أحدهما إلى الآخر استمر العقد
وإلا فسخ كما قالاه . ويجري القولان في جميع أنواع التمليك ، وأما قبل سقيه اللبأ فيبطل جزما . ويستثنى من الأول ما لو
كان المبيع ممن يحكم بعتقه على المشتري ، فالظاهر كما قال الأذرعي وغيره عدم التحريم وصحة البيع لتحصيل مصلحة
الحرية ، ولما مر من جواز التفريق الاعتاق . ويحرم بيع بعض أحدهما فقط وبيع أحدهما مع بعض الآخر وبيع بعض كل
منهما عند عدم التساوي ، فإن تساوى البعضان كأن باع نصفهما معا جاز كما دل عليه كلام الرافعي في السير . وألحق
الغزالي التفريق بالسفر بالتفريق بالبيع ، وطرده في التفريق بين الزوجة وولدها وإن كانت حرة بخلاف المطلقة لا يحرم لامكان
صحبتها له . ويستثنى من إطلاق المصنف ما لو ملك كافر صغيرا وأبويه وهما كافران ثم أسلم الأب وتخلفت الام فإن
الولد يتبعه ويؤمر بإزالة الملك عنهما دونها ، قاله صاحب الاستقصاء . وينبغي أنه لو مات الأب أن يباع الولد للضرورة
كما قاله بعض المتأخرين . قال الأذرعي : ومثله ما لو تبع الطفل السابي في الاسلام ثم ملك أمه الكافرة فله بيع أحدهما دون
الآخر فيما يظهر اه . وهذا ممنوع ، لأن الأصحاب لم يفرقوا بين الام المسلمة والكافرة ، والتفريق وجه حكاه الدارمي ،
وإنما فرق في الصورة المتقدمة للضرورة .
تنبيه : قوله : ( بطلا ) ، قال الأسنوي : كان الأحسن إسقاط الألف منه ، فإن الأفصح في الضمير الواقع بعد أو أن
يؤتى به مفردا ، يقول : إذا لقيت زيدا أو عمرا فأكرمه ، وقال الولي العراقي : والصواب حذف الألف اه . والأولى ما قاله
الزركشي من أنه إنما ثنى الضمير لأن أو للتنويع ، فهو نظير قوله تعالى : * ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) * . ثم شرع
في الصورة الثانية ، فقال : ( ولا يصح بيع العربون ) وهو ( بأن يشتري ) سلعة ( ويعطيه دراهم ) مثلا ( لتكون من الثمن إن
رضي السلعة وإلا فهبة ) بالنصب ، للنهي عنه ، رواه أبو داود وغيره ، ولان فيه شرطين فاسدين أحدهما : شرط الهبة ،
والثاني : شرط الرد على تقدير أن لا يرضى .
تنبيه : في العربون ست لغات : فتح العين والراء ، وهي الفصيحة . وضم العين وإسكان الراء ، وعربان بالضم
والاسكان ، وإبدال العين همزة مع الثلاثة . وهو أعجمي معرب ، وأصله في اللغة التسليف والتقديم .
فائدة : البيع ينقسم إلى الأحكام الخمسة : وهي الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح ، فالواجب كبيع الولي
مال اليتيم إذا تعين بيعه ، وبيع القاضي مال المفلس بشروطه . وأما بيع الماء لمحتاجه والطعام من المضطر ، فالواجب
فيهما التمليك لا البيع نفسه ، وبعضهم أدرجهما في البيع الواجب . وأما الحرام فغالب ما ذكره المصنف في هذا الفصل
والذي قبله . وأما المندوب فكالبيع بالمحاباة وبيع الطعام زمن الغلاء ونحوه . وأما المكروه فكبيع دور مكة والبيع ممن
أكثر ماله حرام أو فيه حرام ولم يتحقق أن المأخوذ من الحرام ، وإلا فحرام ، وبيع المصحف ، قيل : وثمنه يقابل الدفتين ،
لأن كلام الله لا يباع ، وقيل : إنه بدل أجرة نسخه ، حكاهما الرافعي عن الصيمري . وبيع العينة ، وهي بكسر المهملة
وإسكان التحتية وبالنون : أن يبيعه عينا بثمن كثير مؤجل ويسلمها له ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته .
مغني المحتاج — صفحة 39
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٣٩