احتمالين . ( و ) الأصح ( أن قوله جعلت ) هذه ( البقعة مسجدا ) وإن لم يكن لله ، ( تصير به ) أي بمجرد هذا اللفظ ( مسجدا ) لأن
المسجد لا يكون إلا وقفا فأغنى لفظه عن لفظ الوقف ونحوه . والثاني وعليه جمع كثير : أن القول المذكور لا يصيره مسجدا
لعدم ذكر شئ من ألفاظ الوقف . وإن قال : جعلت البقعة مسجدا لله تعالى صارت مسجدا جزما ، وكذا إن قصد بقوله :
جعلت البقعة مسجدا لوقف كما صرح به القاضي حسين . ولو قال : وقفتها للصلاة كان صريحا في الوقف كفاية في وقفه مسجدا
فيحتاج إلى نية . ولو بنى بيتا وأذن في الصلاة فيه لم يصر بذلك مسجدا وإن صلى فيه ونوى جعله مسجدا ، وقد تقدم أن
النية تكفي فيما إذا بناه في موات . ( و ) الأصح ( أن الوقف على معين يشترط فيه قبوله ) متصلا بالايجاب إن كان من أهل القبول ،
وإلا فقبول وليه كالهبة والوصية ، وهذا هو الذي قاله الجوزي والفوراني وصححه الإمام وأتباعه ، وعزاه الرافعي في
الشرحين للإمام وآخرين ، وصححه في المحرر ، ونقله في زيادة الروضة عنه مقتصرا عليه ، وجرى عليه في الكتاب . والثاني :
لا يشترط واستحقاقه المنفعة كاستحقاق العتيق منفعة نفسه بالاعتاق ، قال السبكي : وهذا ظاهر نصوص الشافعي في غير
موضع ، واختاره الشيخ أبو حامد وسليم والماوردي والمصنف في الروضة في السرقة ونقله في شرح الوسيط عن الشافعي ،
واختاره ابن الصلاح وجرى عليه شيخنا في منهجه . قال في المهمات : ووافقه قول الرافعي لو قال : وقفت عليه زوجته
انفسخ النكاح . قال في الوسيط : والذي رأيته في نسخ الرافعي : فلو وقف بحذف لفظة قال وهو الصواب ، أي فيكون
الوقف قد تم بإيجاب وقبول بخلاف الأول فإنه ينفسخ بمجرد قول الواقف : وقفت عليه زوجته فيكون مفرعا على عدم
القبول . وبالجملة فالأول هو المعتمد . وإلحاق الوقف بالعتق ممنوع ، لأن العتق لا يرد بالرد ولا يبطل بالشروط المفسدة ، بخلاف
الوقف في ذلك باتفاق القائلين بأنه ينتقل إلى الله تعالى . وعلى هذا يستثنى ما إذا وقف على ابنه الحائز ما يخرج من ثلثه ،
فإن قضية كلامهم في باب الوصية لزوم الوقف بمجرد اللفظ وبه صرح الإمام . ولا يشترط على القول بالقبول القبض على
المذهب ، وشذ الجوزي فحكى قولين في اشتراطه في المعين .
تنبيه : قضية كلام المصنف ترجيح اشتراط القبول في البطن الثاني والثالث لأنهم يتلقون الوقف من الواقف ، قال السبكي :
والذي يتحصل من كلام الشافعي والأصحاب أنه لا يشترط قبولهم وإن شرطنا قبول البطن الأول ، وأنه يريد بردهم
كما يرتد برد الأول على الصحيح فيهما ، وجرى على هذا ابن المقري . وعلى هذا فإن ردوا فمنقطع الوسط أو رد الأول
بطل كالوكالة والوصية والوقف . أما الوقف على جهة عامة كالفقراء أو على مسجد أو نحوه فلا يشترط فيه القبول جزما
لتعذره . فإن قيل : لم لم يجعل الحاكم نائبا في القبول كما جعل نائبا عن المسلمين في استيفاء القصاص ؟
. أجيب بأن القصاص لا بد له من مباشر فلذلك جعل نائبا فيه ، بخلاف هذا ، ولم يشترطوا قبول ناظر المسجد ، بخلاف ما لو وهب للمسجد شئ
فإنه لا بد من قبول ناظره وقبضه كما لو وهب شئ لصبي . وقوله ، جعلته للمسجد كناية تمليك لا وقف ، فيشترط قبول
الناظر وقبضه كما مر . ( ولو رد ) الموقوف عليه المعين العين الموقوفة ، ( بطل حقه ) سواء ( شرطنا القبول ) من المعين ( أم لا )
كالوصية والوكالة . ولو رجع بعد الرد لم يعد له ، وقول الروياني : يعود له إن رجع قبل حكم الحاكم به لغيره ، مردود
كما نبه عليه الأذرعي . نعم لو وقف على وارثه . الحائز لتركته شيئا يخرج من الثلث لزم ولم يبطل حقه برده كما نقله الشيخان
في باب الوصايا عن الإمام .
تنبيه : يشترط في الوقف أربعة شروط : الأول : التأبيد ، كالوقف على من لم ينقرض قبل قيام الساعة كالفقراء أو على
من ينقرض ، ثم على من لا ينقرض كزيد ، ثم الفقراء فلا يصح تأقيت الوقف كما تضمنه قوله : ( ولو قال وقفت هذا ) على
كذا ( سنة ) مثلا ( فباطل ) هذا الوقف لفساد الصيغة . فإن أعقبه بمصرف كوقفته على زيد سنة ثم على الفقراء صح ، وروعي
فيه شرط الواقف كما نقله البلقيني عن الخوارزمي .
تنبيه : ما ذكر محله فيما لا يضاهي التحرير ، أما ما يضاهيه كالمسجد والمقبرة والرباط كقوله : جعلته مسجدا سنة
مغني المحتاج — صفحة 383
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٣٨٣