عن الجميع ) أي جميع الخصال المذكورة ، ( استقرت ) أي الكفارة ، ( في ذمته على الأظهر ) لأنه ( ص ) أمر الاعرابي
بأن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه ، فدل على أنها ثابتة في الذمة ، لأن حقوق الله تعالى المالية إذا عجز عنها العبد
وقت وجوبها ، فإن كانت لا بسبب منه كزكاة الفطر لم تستقر ، وإن كانت بسبب منه استقرت في ذمته ، سواء أكانت على
وجه البدل كجزاء الصيد وفدية الحلق أم لا ككفارة الظهار والقتل واليمين والجماع ودم التمتع والقران . فإن قيل :
لو استقرت لأمر ( ص ) المواقع بإخراجها بعد . أجيب بأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز وهو وقت القدرة . (
فإذا قدر على خصلة ) منها ( فعلها ) كما لو كان قادرا عليها حال الوجوب ، وهذا يقتضي أن الثابت في ذمته أحد الخصال ،
فيكون مخيرا بينها ، وهو ما قاله القاضي أبو الطيب . وكلام التنبيه يقتضي أن الثابت في ذمته هو الخصلة الأخيرة ، وكلام
الجمهور يقتضي أنه الكفارة وأنها مرتبة في الذمة ، وبه صرح ابن دقيق العيد ، وهو كما قال شيخنا : المعتمد . ثم إن قدر
على خصلة فعلها أو أكثر رتب ، والثاني : لا تستقر ، بل تسقط كزكاة الفطر . ( والأصح أن له العدول عن الصوم إلى الاطعام
لشدة الغلمة ) وهي بغين معجمة مضمومة ولام ساكنة : شدة الحاجة للنكاح ، لأن حرارة الصوم وشدة الغلمة قد
يفضيان به إلى الوقاع ولو في يوم واحد من الشهرين ، وذلك يقتضي استئنافهما لبطلان التتابع ، وهو حرج شديد .
والثاني : لا ، لأنه قادر على الصوم فلم يجز العدول عنه كصوم رمضان . ( و ) الأصح ( أنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله )
كالزكاة وسائر الكفارات ، وأما قوله ( ص ) في الخبر : أطعمه أهلك ففي الام كما في الرافعي : يحتمل أنه لما
أخبره بفقره صرفه له صدقة ، أو أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق به ، فلما أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم للاعلام بأنها
إنما تجب بعد الكفاية ، وأنه تطوع التكفير عنه ، وسوغ له صرفها لأهله للاعلام بأن لغير المكفر التطوع بالتكفير عنه
بإذنه ، وأن له صرفها لأهل المكفر عنه ، أي وله ، فيأكل هو وهم منها كما صرح به الشيخ أبو علي السنجي والقاضي
نقلا عن الأصحاب . وحاصل الاحتمالين الأولين أنه صرف له ذلك تطوعا ، قال ابن دقيق العيد : وهو الأقرب اه . وقد
يقال : إن قول المصنف وأنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله قد يكون احترز به عن هذه المسألة ، فإن الصارف
فيها إنما هو الأجنبي المكفر .
خاتمة : من فاته شئ من رمضان استحب أن يقضيه متتابعا ، ويكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع بصوم ، قاله
الجرجاني : فلو نذر صوم شعبان أبدا وأسر مثلا ، فتحرى وصام رجبا على أنه شعبان وصام شعبان على أنه رمضان ، ثم
تبين له الحال بعد رمضان لزمه قضاء شهرين : أحدهما عن شعبان والآخر عن رمضان ولا إطعام عليه ، قاله الماوردي .
باب صوم التطوع :
والتطوع : التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات ، وتعبير المصنف هنا به وفي الصلاة بالنفل موافق
لقوله تعالى : * ( ومن تطوع خيرا ) * الآية ، * ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) * . ولا شك أن الصوم من أفضل العبادات ،
ففي الصحيحين : من صام يوما في سبيل الله باعد الله تعالى وجهه عن النار سبعين خريفا ، وفي الحديث : كل عمل
ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، واختلفوا في معناه على أقوال تزيد على خمسين قولا . قال السبكي : من
أحسنها قول سفيان بن عيينة : إنه يوم القيامة يتعلق خصماء المرء بجميع أعماله إلا الصوم فإنه لا سبيل لهم عليه ، فإنه
إذا لم يبق إلا الصوم يتحمل الله تعالى عنه ما بقي من المظالم ، ويدخله بالصوم الجنة . قال بعضهم : وهذا مردود بحديث
مسلم عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال : أتدرون من المفلس ؟ ثم ذكر أنه رجل يأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا
مغني المحتاج — صفحة 445
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٤٤٥