تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحكم في أصول الفقه — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وقد عرفت في رد الوجه الخامس أن الاحكام لما كانت أمورا اعتبارية جعلية ، وكان قوامها نحو اقتضائها للفعل من قبل المولى الجاعل لها كان اختلافها في نحو اقتضائه موجبا للتضاد بينها ذاتا بحسب المرتكزات العرفية التي هي المدار في اعتبار الأحكام الشرعية ، وذلك جار في الحكم الواقعي والظاهري المخالف له ، لما هو المعلوم من أن الحكم الظاهري له نحو من الاقتضاء للفعل كالحكم الواقعي ، فيعود المحذور . ومجرد عدم محركية الحكم الواقعي ، وعدم فعلية تأثيره بسبب الجهل به ، وعدم تنجزه لا يرفع التضاد المذكور ، لان منشأ التضاد ليس هو الحركة الفعلية المسببة عن الحكم ، بل نحو اقتضاء الحكم للحركة ، الذي يمتنع اختلافه مع وحدة الحاكم . ولذا لا ريب في التضاد بين الحكمين الواقعيين لو كان أحدهما مقارنا للجهل بالآخر من دون أن يؤخذ في موضوعه الجهل به ، كما لو فرض جهل المكلف بفسق زيد ، وحكم المولى بوجوب إكرامه ، وحرمة إكرام كل فاسق ، فيكون إكرامه واجبا وحراما في وقت واحد . بل لا إشكال في أن الحكم بوجوب إكرام زيد يكون ملازما إما لعدم كونه فاسقا ، أو لتخصيص عموم حرمة إكرام الفساق . وبالجملة : الوجه المذكور لا ينهض بدفع الشبهة . بل لا بد من التأمل في وجه آخر يكون به التخلص عنها . فنقول بعد التوكل على الله تعالى والاستعانة به : لا موقع للشبهة في موارد الطرق بناء على ما عرفت في مبحث قيام الطرق والأصول مقام القطع الموضوعي من أن مفاد أدلة جعلها ليس جعل مؤداها ، بل جعل حجيتها ، لان الحجية من الأحكام الوضعية القابلة للجعل ، فإن حجية الطريق لا تماثل الحكم الواقعي الثابت في مورده ولا تضاده ، لاختلافهما سنخا .