والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ( 1 ) لولا حضور الحاضر ( 2 ) وقيام الحجة بوجود الناصر ،
وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم ( 3 ) ، لألقيت
حبلها على غاربها ( 4 ) ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد
عندي من عفطة عنز ( 5 ) .
قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد ( 6 ) عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته
فناوله كتابا ، فأقبل ينظر فيه ، قال له ابن عباس رضي الله عنهما : يا أمير المؤمنين ، لو
اطردت خطبتك من حيث أفضيت .
فقال : هيهات يا بن عباس ، تلك شقشقة ( 7 ) هدرت ثم قرت .
قال ابن عباس : فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أن
لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد .
نسوا أو تناسوا كل هذه الأقوال من الإمام علي وتمسكوا بقول احتج به الإمام علي
على معاوية لالتزام معاوية ونظرائه به .
رابعا : مناقشة الاستدلال بان الخلافة تقام بالقهر والغلية
من سبر التاريخ الاسلامي وجد أن حكم الخلافة إلى عهد الخلفاء العثمانيين
هامش
( 1 ) النسمة - محركة - الروح ، وبرأها : خلقها .
( 2 ) من حضر لبيعته ، ولزوم البيعة لذمة الامام بحضوره .
( 3 ) والناصر : الجيش الذي يستعين به على إلزام الخارجين بالدخول في البيعة الصحيحة ، والكظة : ما
يعتري الآكل من امتلاء البطن بالطعام ، والمراد استئثار الظالم بالحقوق . والسغب : شدة الجوع ، والمراد منه
هضم حقوقه .
( 4 ) الغارب : الكاهل ، والكلام تمثيل للترك وإرسال الامر .
( 5 ) عفطة العنز : ما تنثره من أنفها ، تقول : عفطت تعفط من باب ضرب ، غير أن أكثر ما يستعمل ذلك
في النعجة . والأشهر في العنز النفطة بالنون ، يقال : ماله عافط ولا نافط ، أي : نعجة ولا عنز ، كما يقال : ماله
ثاغية ولا راغية . والعفطة الحبقة أيضا ، لكن الأليق بكلام أمير المؤمنين هو ما تقدم .
( 6 ) السواد : العراق ، وسمي سوادا لخضرته بالزرع والأشجار ، والعرب تسمى الأخضر أسود . قال الله
تعالى " مدهامتان " يريد الخضرة ، كما هو ظاهر .
( 7 ) الشقشقة - بكسر فسكون فكسر - شئ كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ، وصوت البعير بها
عند إخراجها هدير ، ونسبة الهدير إليها نسبة إلى الآلة ، قال في القاموس : والخطبة الشقشقية العلوية ، وهي
هذه .