( ومن كتاب له عليه الصلاة والسلام ) ( إلى أميرين من أمراء جيشه ) وقد أمرت عليكما ( 1 ) وعلى من في حيزكما مالك بن الحارث الأشتر ، فاسمعا له وأطيعاه واجعلاه درعا ومجنا ، فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ، ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ، ولا اسراء ، إلى ما البطؤ عنه أمثل . ( بيانه ) وقد ذكر في الكتاب الأول لمعاوية أن قومنا كما رأيت وعلمت أرادوا قتل محمد صلى اللَّه عليه وآله لما ادعى النبوة ، وكان أبوك منهم ، وعزموا على استيصالنا واجتثاث ( 2 ) أصلنا ، وهموا نزول الهموم بنا ، فدفعهم اللَّه عنا . وكان بنو هاشم ينصرون محمدا « ص » مؤمنهم وكافرهم أول مرة إلا أبا لهب فمؤمنهم مثل أبي طالب ( 3 ) في جميع الأحوال ، وكافرهم كالعباس وحمزة في
هامش
( 1 ) في ب : إليكما .
( 2 ) الاجتثاث : الاقتلاع .
( 3 ) هو أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، قيل اسمه عمران أو عبد مناف ، عم النبي « ص » وأخو أبيه ، من أمه وأبيه . وكان سيدا معظما ذا حكمة ورياسة وحلم وسيادة ، وفيه وقار الحكماء وهيبة الملوك .
قيل لأكثم : ممن تعلمت الحكمة والرياسة والحلم والسيادة فقال : من حليف العلم والأدب وسيد العجم والعرب أبى طالب بن عبد المطلب . لا ريب بين الشيعة وعدة من المخالفين في ايمان أبى طالب ، كيف وهو مربى النبي وكافله وحامي الاسلام وناصره ، ووردت أخبار كثيرة صريحة في ايمانه وحسن حاله . ويظهر ذلك من أشعاره أيضا ، منها ما يقول في أمر الصحيفة التي كتبها قريش في قطيعة بني هاشم :
ألا أبلغا عني على ذات بينها * لؤبا وخصا من لؤي بنى كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب
نبي أتاه الوحي من عند ربه * ومن قال لا يقرع بها سن نادم
وأيضا من شعره الذي قاله حين عذبت قريش عثمان بن مظعون الجمحي :
أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون
وقال في أبى جهل حين أراد أن يرضخ رأس النبي « ص » بالحجر الذي كان بيده فلصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد :
وأعجب من ذاك في أمركم * عجائب في الحجر الملصق
بكف الذي قام من حينه * إلى الصابر الصادق المتقي
فأثبته اللَّه في كفه * على رغمة الخائن الأحمق
وغير ذلك من أشعاره وأقواله التي تنبىء عن عقيدته الخالصة ونيته الباطنة ولا يقتضي المقام الزيادة ، ومن أراد التفصيل فعليه برسالتنا في ايمان أبي طالب عليه السلام .