السقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء ، ترد أوله على آخره وساجيه على مائره ، حتى عب عبابه ورمى بالزبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق وجو منفهق ، فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مكفوفا وعلياهن سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها ولا دسار ينتظمها . ثم زينها بزينة الكواكب وضياء الثواقب وأجرى فيها سراجا مستطيرا وقمرا منيرا ، في فلك دائر وسقف سائر ورقيم مائر . ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته ، منهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون وصافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ، ومنهم أمناء على وحيه وألسنة ( 1 ) على رسله ومختلفون بقضائه وأمره ، ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم متلفعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة ، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر . ( 2 ) ( بيانه ) ذكر قبل هذا الفصل انشاء اللَّه خلقا ذا شبح وحياة وغريزة له أحناء وأعضاء ثم ذكر هاهنا انشاء اللَّه السماوات وأول خلقها وفتق بعضها من بعض وتمييزها
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 56
مساهمون: قطب الدين الراوندي
ص٥٦
هامش
( 1 ) في الف ، ب ، نا ، يد : إلى رسله .
( 2 ) في الف : بالمواطن .