تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتخب من كتب ابن تيمية — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣

يستعمل إلا في الخبر عن غائب ، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة ؛ كقوله : طلعت الشمس وغربت ، أنه يقال : آمناه ، كما يقال : صدقناه ، ولهذا المحدثون والشهود ونحوهم يقال : صدقناهم ، وما يقال : آمنا لهم ؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن ؛ فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر ، كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر ، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في هذا النوع ، والاثنان إذا اشتركا في معرفة الشيء يقال : صدق أحدهما صاحبه ، ولا يقال : آمن له ؛ لأنه لم يكن غائباً عنه ائتمنه عليه ، ولهذا قال : { فَآمَنَ لَهُ لوطٌ } ( 1 ) ، { أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلَنَا } ( 2 ) ، { آمَنْتُمْ لَهُ } ( 3 ) ، { يُؤْمِنُ باللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ } ( 4 ) ، فيصدقهم فيما أخبروا به مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك ؛ فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة ؛ كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق ، ولهذا قالوا : { وَمَا أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } ( 5 ) ؛ أي : لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين ؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك ؛ فلو صدقوا لم يأمن لهم . الثالث : إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق ؛ فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له : صدقت أو كذبت ، ويقال : صدقناه أو كذبناه ، ولا يقال لكل مخبر : آمنا له أو كذبناه ، ولا يقال : أنت مؤمن له أو مكذب له ؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر ، يقال : هو مؤمن أو كافر ، والكفر لا يختص بالتكذيب ، بل لو قال : أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك ، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك ؛ لكان كفره

هامش
( 1 ) العنكبوت : 26 .
( 2 ) المؤمنون : 27 .
( 3 ) الأعراف : 123 .
( 4 ) التوبة : 61 .
( 5 ) يوسف : 17 .