بطل ما اعتمدت عليه .
فقال : أسباب غلبة الظن معروفة وهي كالرجل الذي يغلب في ظنه إن
سلك هذا الطريق نجا وإن سلك غيره هلك ، وإن أتجر في ضرب من المتاجر
ربح ، وإن أتجر في غيره خسر ، وإن ركب إلى ضيعة والسماء متغيمة مطر ، وإن ركب
وهي مصحية سلم ، وإن شرب هذا الدواء انتفع ، وإن عدل إلى غيره استضر وما
أشبه ذلك . ومن خالفني في أسباب غلبة الظن قبح كلامه .
فقلت له : إن هذا الذي أوردته لا نسبة بينه وبين الشريعة وأحكامها ، وذلك
أنه ليس شئ منه إلا وللخلق فيه عادة وبه معرفة فإنما يغلب ظنونهم حسب
عاداتهم ، وإمارات ذلك ظاهرة لهم ، والعقلاء يشتركون في أكثرها وما اختلفوا فيه
فلاختلاف عاداتهم خاصة ، وأما الشريعة فلا عادة فيها ولا أمارة من دربة
ومشاهدة لأن النصوص قد جاءت فيها باختلاف المتفق في صورته ، وظاهر معناه
واتفاق المختلف في الحكم وليس للعقول في رفع حكم منها وإيجابه مجال ، وإذا لم
يك فيها عادة بطل غلبة الظن فيها .
ألا ترى أنه من لا عادة له بالتجارة ولا سمع بعادة الناس فيها لا يصح أن
يغلب ظنه في نوع منها بربح ولا خسران ، ومن لا معرفة له بالطرقات ولا بأغيارها
ولا له عادة في ذلك ولا سمع بعادة أهلها فليس يغلب ظنه بالسلامة في طريق
دون طريق .
ولو قدرنا وجود من لا عادة له بالمطر ولا سمع بالعادة فيه ، لم يصح أن
يغلب في ظنه مجئ المطر عند الغيم دون الصحو ، وإذا كان الأمر كما بيناه وكان
الاتفاق حاصلا على أنه لا عادة في الشريعة للخلق بطل ما ادعيت من غلبة
الظن وقمت مقام الأول في الاقتصار على الدعوى .
فقال : هذا الآن رد على الفقهاء كلهم وتكذيب لهم فيما يدعونه من غلبة
الفصول المختارة — صفحة 85
مساهمون: الشيخ المفيد
ص٨٥