ملوك زمان مولده ومولد آبائه ، خلاف ذلك من اعتقادهم فيمن ظهر منهم يدعو
إلى إمامة نفسه أو يدعو إليه داع ، سفك دمه واستئصال أهله وعشيرته وهذا أيضا
فرق بين الأمرين .
وشئ آخر وهو أن رسول الله ( ص ) مكث ثلاث عشرة سنة يدعو بمكة إلى
دينه والاعتراف بالوحدانية وبنبوته ويسفه جميع من خالفه ويضللهم ويسب
آلهتهم ، فلم يقدم أحد منهم على قتله ولا رام ذلك ولا استقام لهم نفيه عن بلادهم
ولا حبسه ولا منعه من دعوته ، ونحن نعلم علما يقينا لا يتخالجنا فيه الشك بأنه لو
ظن أحد من ملوك هذه الأزمان ببعض آل أبي طالب أنه يحدث نفسه بادعاء
الإمامة بعد مدة طويلة ، لسفك دمه دون أن يعلم ذلك ويتحققه فضلا عن أن
يراه ويجده .
وقد علم أهل العلم كافة أن أكثر من حبس في السجون من ولد رسول
الله ( ص ) وقتل بالغيلة إنما فعل به ذلك على الظنة والتهمة دون اليقين والحقيقة ، ولو
لم يكن أحد منهم حل به ذلك إلا موسى بن جعفر - عليه السلام - لكان كافيا ومن تأمل
هذه الأمور وعرفها وفكر فيما ذكرناه وتبينه انكشف له الفرق بين النبي وبين الإمام
فيما سأل عنه هؤلاء القوم ولم يتخالجه فيه ارتياب والله الموفق للصواب .
وبهذا النحو يجب أن يجاب من سأل فقال : أليس الرسول قد ظهر في أول
أمره وعرفت العامة والخاصة وجوده ثم استتر بعد ذلك عند الخوف على نفسه فقد
كان يجب أن يكون تدبير الإمام في ظهوره واستتاره كذلك . مع أن الاتفاقات ليس
عليها قياس ، والألطاف والمصالح تختلف في أنفسها ولا تدرك حقائقها إلا بسمع
يرد عن عالم الخفيات جلت عظمته فلا يجب أن نسلك في معرفتها طريق الاعتبار .
وليس يستتر هذا الباب إلا على من قل علمه بالنظر وبعد عنه الصواب
والله نستهدي إلى سبيل الرشاد .
الفصول المختارة — صفحة 330
مساهمون: الشيخ المفيد
ص٣٣٠