ولأصحاب هذا الجواب أن يقولوا : ليس ما ذكرناه في هذا الباب بأعجب
من كفر قوم موسى وعبادتهم العجل وقد شاهدوا منه الآيات وعاينوا ما حل
بفرعون وملئه على الخلاف ، ولا هو بأعجب من إقامة أهل الشرك على خلاف
رسول الله ( ص ) وهم يعلمون عجزهم عن مثل ما أتى به القرآن ، ويشهدون
معجزاته وآياته عليه وآله السلام ، ويجدون مخبرات أخباره على حقائقها من قوله
تعالى : * ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) * ( 1 ) وقوله : * ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء
الله آمنين ) * ( 2 ) . وقوله : * ( ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم
سيغلبون ) * ( 3 ) وما حل بهم من العقاب بسيفه عليه وآله السلام وهلاك كل من
توعده بالهلاك ، هذا وفيمن أظهر الإيمان به المنافقون ينضافون في خلافه إلى أهل
الشرك والضلال .
على أن هذا السؤال لا يسوغ لأصحاب المعارف من المعتزلة لأنهم يزعمون
أن أكثر المخالفين على الأنبياء كانوا من أهل العناد ، وأن جمهور المظهرين للجهل
بالله يعرفونه على الحقيقة ويعرفون أنبياءه وصدقهم ولكنهم في الخلاف على
اللجاجة والعناد . فلا يمنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها على هذا الوصف
الذي حكيناه ، وقد قال الله تعالى : * ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد
ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو
ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) * ( 4 ) . فأخبر سبحانه أن أهل العقاب لو
ردهم الله تعالى إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والعناد مع ما شاهدوا في القبور وفي
المحشر من الأهوال وما ذاقوا من أليم العذاب .
هامش
( 1 ) - القمر / 45 .
( 2 ) - الفتح / 27 .
( 3 ) - الروم / 1 - 3 .
( 4 ) - الأنعام / 27 - 28 .