ولما انصرف قام قائما ثم قال عدلت شهادة الزور بالاشراك بالله ( ثلاث مرات ) ثم
تلا قوله عز وجل ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور )
وروى محارب بن دثار عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال ( شاهد الزور لا يزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار ويثبت أنه شاهد
زور ) من ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يقر أنه شاهد زور ( والثاني ) أن تقوم
البينة أنه شاهد زور ( والثالث ) أن يشهد بما يقطع بكذبه بأن شهد على رجل
أنه قتل أو زنى في وقت معين في فوضع معين ، والمشهود عليه في ذلك الوقت
كان في بلد آخر ، وأما إذا شهد بشئ أخطأ فيه فلم يكن شاهد زور لأنه لم يقصد
الكذب . وإن شهد لرجل بشئ وشهد به آخر أنه لغيره لم يكن شاهد زور ،
لأنه ليس تكذيب أحدهما بأولى من تكذيب الآخر فلم يقدح ذلك في عدالته .
وإذا ثبت أنه شاهد زور ورأي الامام تعزيره بالضرب أو الحبس أو الزجر
فعل ، وإن رأى أن يشهر أمره في صوته ومصلاه وقبيلته وينادى عليه أنه شاهد
زور فاعرفوه فعل ، لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال ( إذكروا الفاسق بما فيه ليحذره الناس ) ولان في ذلك زجرا له
ولغيره عن فعل مثله .
وحكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنه قال ( إن كان من أهل الصيانة لم يناد
عليه لقوله عليه الصلاة والسلام ( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ) وهذا غير صحيح
لان بشهادة الزور يخرج عن أن يكون من أهل الصيانة .
( فصل ) ولا تقبل شهادة جار إلى نفسه نفعا ولا دافع عن نفسه ضررا
لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تقبل شهادة
خصم ولا ظنين ولا ذي إحنة ) والظنين المتهم ، والجار إلى نفسه نفعا والدافع
عنها ضررا متهمان ، فإن شهد المولى لمكاتبه بمال لم تقبل شهادته لأنه يثبت لنفسه
حقا ، لان مال المكاتب يتعلق به حق المولى .
وإن شهد الوصي اليتيم والوكيل للموكل فيما فوض النظر فيه إليه لم تقبل لأنهما
يثبتان لأنفسهما حق المطالبة والتصرف ، وان وكله في شئ ثم عزله لم يشهد فيها
المجموع — صفحة 232
مساهمون: النووي
ص٢٣٢