وَيَتَظَاهَرُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَنْ هُنَاكَ مِن المُسْلِمِينَ .
حَتَّى أَنَّ وَزِيرَهُمْ هَذَا الْخَبِيثَ الْمُلْحِدَ الْمُنَافِقَ صِنْفٌ مُصَنَّفاً ؛ مَضْمُونُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَنَّهُ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُذَمُّونَ وَلَا يُنْهَوْنَ عَنْ دِينِهِمْ وَلَا يُؤْمَرُونَ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْإِسْلَامِ .
وَاسْتَدَلَّ الْخَبِيثُ الْجَاهِلُ بِقَوْلِهِ : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ } { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } وَزَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَرْضَى دِينَهُمْ قَالَ : وَهَذِهِ الْآيَةُ مَحْكَمَةٌ ؛ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً .
وَجَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أُمُورٌ .
وَمِن المَعْلُومِ أَنَّ هَذَا جَهْلٌ مِنْهُ .
فَإِنَّ قَوْلَهُ : { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ دِينُ الْكُفَّارِ حَقّاً وَلَا مَرْضِيّاً لَهُ ؛ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَبَرُّئِهِ مِنْ دِينِهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ : { إنَّهَا بَرَاءَةٌ مِن الشِّرْكِ } كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } فَقَوْلُهُ : { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } كَقَوْلِهِ : { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } وَقَدْ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ حَيْثُ قَالَ : { أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } .
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِ دِينِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 526
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٢٦