وَإِمَّا بِإِحْسَانِ وَرَغْبَةٍ وَفِي الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا .
وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءُ ؛ إلَّا عَالِمٌ فَاسِقٌ أَوْ جَاهِلٌ دَيِّنٌ ؛ فَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الدَّيِّنِ أَكْثَرَ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ قُدِّمَ الدَّيِّنُ .
وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْعِلْمِ أَكْثَرَ لِخَفَاءِ الْحُكُومَاتِ قُدِّمَ الْعَالِمُ .
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُقَدِّمُونَ ذَا الدِّينِ ؛ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُتَوَلِّي مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدْلاً أَهْلاً لِلشَّهَادَةِ ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ : هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِداً أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّداً أَوْ الْوَاجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ .
وَبُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَمَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَهْلِ لِلضَّرُورَةِ إذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ فَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ السَّعْيُ فِي إصْلَاحِ الْأَحْوَالِ حَقّاً يَكْمُلُ فِي النَّاسِ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ أُمُورِ الْوِلَايَاتِ وَالْإِمَارَاتِ وَنَحْوِهَا ؛ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ السَّعْيُ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَكَمَا يَجِبُ الِاسْتِعْدَادُ لِلْجِهَادِ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْلِ فِي وَقْتِ سُقُوطِهِ لِلْعَجْزِ فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِخِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا .
مجموعة الفتاوى — صفحة 259
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٩