الدَّرَجَةِ وَعَظِيمِ الْأَجْرِ ؛ كَمَا { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ : ثُمَّ الصَّالِحُونَ ؛ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ؛ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ .
فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ .
وَلَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ } وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ مِن الصَّبْرِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ غَيْرُهُ : وَذَلِكَ هُوَ سَبَبُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } .
فَلَا بُدَّ مِن الصَّبْرِ عَلَى فِعْلِ الْحَسَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَرْكِ السَّيِّئِ الْمَحْظُورِ ؛ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّبْرُ عَلَى فِعْلِ الْأَذَى وَعَلَى مَا يُقَالُ ؛ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِن المَكَارِهِ ؛ وَالصَّبْرُ عَنْ الْبَطَرِ عِنْدَ النِّعَمِ : وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ .
وَلَا يُمْكِنُ الْعَبْدُ أَنْ يَصْبِرَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَطْمَئِنُّ بِهِ وَيَتَنَعَّمُ بِهِ وَيُغْتَذَى بِهِ وَهُوَ الْيَقِينُ ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ ؛ وَالْعَافِيَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْراً مِن العَافِيَةِ فَسَلُوهُمَا اللَّهُ } .
وَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَ غَيْرَهُ يُحْسِنُ أَوْ أَحَبَّ مُوَافَقَتَهُ عَلَى ذَلِكَ ؛ أَوْ نَهَى
مجموعة الفتاوى — صفحة 153
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥٣