وَبَعْضِ الرَّعَايَا ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ بَعْدُ ؛ فَنَشَأَتْ الْفِتْنَةُ الَّتِي سَبَبُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ تَمْحِيصِ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ ؛ وَاخْتِلَاطِهِمَا بِنَوْعِ مِن الهَوَى وَالْمَعْصِيَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ : وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَأَوِّلٌ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَنَّهُ مَعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَمَعَ هَذَا التَّأْوِيلِ نَوْعٌ مِن الهَوَى ؛ فَفِيهِ نَوْعٌ مِن الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ؛ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِن الأُخْرَى .
فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ ؛ وَيَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يُقِيمَ قَلْبَهُ وَلَا يُزِيغَهُ : وَيُثَبِّتَهُ عَلَى الْهُدَى وَالتَّقْوَى ؛ وَلَا يَتَّبِعُ الْهَوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } .
وَهَذَا أَيْضاً حَالُ الْأُمَّةِ فِيمَا تَفَرَّقَتْ فِيهِ وَاخْتَلَفَتْ فِي الْمَقَالَاتِ وَالْعِبَادَاتِ .
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا تَعْظُمُ بِهَا الْمِحْنَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
فَإِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى شَيْئَيْنِ : إلَى دَفْعِ الْفِتْنَةِ الَّتِي اُبْتُلِيَ بِهَا نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ فِتْنَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا عَنْ نُفُوسِهِمْ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لَهَا : فَإِنَّ مَعَهُمْ نُفُوساً وَشَيَاطِينَ كَمَا مَعَ غَيْرِهِمْ فَمَعَ وُجُودِ ذَلِكَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ يَقْوَى الْمُقْتَضِي عِنْدَهُمْ ؛ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ ؛ فَيَقْوَى الدَّاعِي الَّذِي فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَشَيْطَانُهُ ؛ وَمَا يَحْصُلُ مِن الدَّاعِي بِفِعْلِ الْغَيْرِ وَالنَّظِيرِ .
فَكَمْ مِمَّنْ لَمْ يَرِدْ خَيْراً وَلَا شَرّاً حَتَّى رَأَى غَيْرَهُ - لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ نَظِيرُهُ -
مجموعة الفتاوى — صفحة 149
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٩