فَصْلٌ :
" الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ " لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ .
مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ .
وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَاجِبَةٌ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ ؛ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ .
فَمِنْهَا عُقُوبَاتٌ مُقَدَّرَةٌ ؛ مِثْلَ جَلْدِ الْمُفْتَرِي ثَمَانِينَ وَقَطْعِ السَّارِقِ .
وَمِنْهَا عُقُوبَاتٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ قَدْ تُسَمَّى " التَّعْزِيرَ " .
وَتَخْتَلِفُ مَقَادِيرُهَا وَصِفَاتُهَا بِحَسَبِ كِبَرِ الذُّنُوبِ وَصِغَرِهَا ؛ وَبِحَسَبِ حَالِ الْمُذْنِبِ ؛ وَبِحَسَبِ حَالِ الذَّنْبِ فِي قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ .
" وَالتَّعْزِيرُ " أَجْنَاسٌ .
فَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالتَّوْبِيخِ وَالزَّجْرِ بِالْكَلَامِ .
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْحَبْسِ .
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالنَّفْيِ عَنْ الْوَطَنِ .
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالضَّرْبِ .
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مِثْلَ الضَّرْبِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ تَرْكِ أَدَاءِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ : مِثْلَ تَرْكِ وَفَاءِ الدَّيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ؛ أَوْ عَلَى تَرْكِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ ؛ أَوْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إلَى أَهْلِهَا : فَإِنَّهُ يُضْرَبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَيْهِ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ .
وَإِنْ كَانَ الضَّرْبُ عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ جَزَاءً بِمَا كَسَبَ وَنَكَالاً مِن اللَّهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ : فَهَذَا يُفْعَلُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 107
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٧