أَدْهَمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحُذَيْفَةُ المرعشي وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطَ وَغَيْرُهُمْ : يُرَابِطُونَ بِالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجِيءُ مِنْ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمَا لِلرِّبَاطِ فِي الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ النَّصَارَى أَهْلَ الْكِتَابِ .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ } وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ .
وَأَمَّا الْكُفَّارُ التُّرْكُ وَنَحْوُهُمْ فَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ فَإِذَا غَلَبَ أُولَئِكَ أَفْسَدُوا الدِّينَ وَالْمُلْكَ .
وَأَمَّا التُّرْكُ فَيُفْسِدُونَ الْمُلْكَ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن الدِّينِ ؛ وَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الدِّينِ .
وَلِهَذَا كَثُرَ ذِكْرُ " طرسوس " فِي كُتُبِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ يَقْصِدُهَا أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَالسَّرِيُّ السقطي ؛ وَغَيْرُهُمَا مِن العُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ لِلرِّبَاطِ وَتُوُفِّيَ الْمَأْمُونُ قَرِيباً مِنْهَا .
فَعَامَّةُ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ فَضْلِ عَسْقَلَانَ والإسكندرية أَوْ عَكَّةَ أَوْ قَزْوِينَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .
وَمَا يُوجَدُ مِنْ أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ بِهَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ : فَهُوَ لِأَجْلِ كَوْنِهَا كَانَتْ ثُغُوراً ؛ لَا لِأَجْلِ خَاصِّيَّةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ .
وَكَوْنُ الْبُقْعَةِ ثَغْراً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ ثَغْرٍ هُوَ مِن الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ لَهَا لَا اللَّازِمَةِ لَهَا ؛ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهَا دَارَ إسْلَامٍ أَوْ دَارَ كُفْرٍ أَوْ دَارَ حَرْبٍ أَوْ دَارَ سِلْمٍ أَوْ دَارَ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ أَوْ دَارَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 53
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٣