يُصْلِحَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا .
بَلْ كَانُوا يَأْتُونَ إلَى مَسْجِدِهِ فَيُصَلُّونَ فِيهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ صَلَّوْا أَئِمَّةً فِي مَسْجِدِهِ وَالْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ خَلْفَهُمْ كَمَا كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ وَهُمْ يَقُولُونَ فِي الصَّلَاةِ : السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ .
كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ .
ثُمَّ إذَا قَضَوْا الصَّلَاةَ قَعَدُوا أَوْ خَرَجُوا .
وَلَمْ يَكُونُوا يَأْتُونَ الْقَبْرَ لِلسَّلَامِ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ وَهِيَ الْمَشْرُوعَةُ .
وَأَمَّا دُخُولُهُمْ عِنْدَ قَبْرِهِ لِلصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ أَوْ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْرَعْهُ لَهُمْ بَلْ نَهَاهُمْ وَقَالَ : { لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيداً وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي } فَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِلُ إلَيْهِ مِن البَعِيدِ وَكَذَلِكَ السَّلَامُ .
وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً .
وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مَرَّةً سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْراً .
كَمَا قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ .
وَتَخْصِيصُ الْحُجْرَةِ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ جَعَلَ لَهَا عِيداً وَهُوَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ أَوْ قَبْرَ غَيْرِهِ مَسْجِداً .
وَلَعَنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَحْذَرُوا أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ غَيْرَهُمْ مِن اللَّعْنَةِ .
وَكَانَ أَصْحَابُهُ خَيْرُ الْقُرُونِ وَهُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِسُنَّتِهِ وَأَطْوَعُ الْأُمَّةِ لِأَمْرِهِ .
وَكَانُوا إذَا دَخَلُوا إلَى مَسْجِدِهِ لَا يَذْهَبُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَى قَبْرِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 387
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨٧