أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ .
فَاَلَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِمُحَمَّدِ وَأُمَّتِهِ مِنْ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَفْضَلِ الذِّكْرِ وَأَخْبَارِهِمْ وَمَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءُوا بِهِ وَالْحُكْمِ بِالْكُفْرِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِوَاحِدِ مِنْهُمْ وَقَتْلِهِ وَقَتْلِ مَنْ سَبَّ أَحَداً مِنْهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ أَقْدَارِهِمْ : مَا لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي مِلَّةٍ مِن المِلَلِ .
و " أَصْلُ الْإِيمَانِ " تَوْحِيدُ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } { عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : خِلَّتَانِ تُسْأَلُ الْعِبَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْهُمَا : عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَعَمَّا أَجَابُوا الرُّسُلَ .
وَلِهَذَا يُقَرِّرُ اللَّهُ هَذَيْنَ الْأَصْلَيْنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن القُرْآنِ بَلْ يُقَدِّمُهُمَا عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا أَصْلُ الْأُصُولِ : مِثْلَمَا ذَكَرَ فِي " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " فَإِنَّهُ افْتَتَحَهَا بِذِكْرِ أَصْنَافِ الْخَلْقِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ : مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ وَمُنَافِقٌ .
وَهَذَا التَّقْسِيمُ كَانَ لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ .
فَإِنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ بِهَا نِفَاقٌ ؛ بَلْ إمَّا مُؤْمِنٌ ؛ وَإِمَّا كَافِرٌ .
و " الْبَقَرَةُ " مَدَنِيَّةٌ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَرْبَعَ آيَاتٍ فِي ذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَآيَتَيْنِ فِي ذِكْرِ الْكَافِرِينَ وَبِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ .
وَافْتَتَحَهَا بِالْإِيمَانِ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَوَسَّطَهَا بِذَلِكَ وَخَتَمَهَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 274
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٤