الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ سَلَفاً وَخَلَفاً قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ هُوَ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن الأَعْمَالِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَالْقِيَامِ بِحَقِّ رَسُولِهِ : مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ كَشَهَادَتِنَا لَهُ وَثَنَائِنَا عَلَيْهِ .
وَصَلَاتِنَا وَسَلَامِنَا عَلَيْهِ مِنْ أَفْضَلِ مَا عَبَدْنَا اللَّهَ بِهِ وَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي مَسْجِدِهِ سَوَاءٌ سُمِّيَ زِيَارَةً لِقَبْرِهِ أَوْ لَمْ يُسَمَّ .
فَإِنَّ لَفْظَ الزِّيَارَةِ لِقَبْرِهِ وَاسْتِحْبَابَ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ بَلْ الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَنْ وَافَقَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ وَالصَّلَاةُ .
وَهُمْ لَا يُسَمُّونَ هَذَا زِيَارَةً لِقَبْرِهِ .
فَكَيْفَ بالذين لَمْ يَكُونُوا يَقِفُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ بِحَالِ وَهُمْ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ .
وَأَمَّا مَا ابْتَدَعَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِن الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَسَمَّى ذَلِكَ " زِيَارَةً لِقَبْرِهِ " فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ الَّتِي تُفْعَلُ عِنْدَ قَبْرِ غَيْرِهِ لَيْسَ هُوَ مِن الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَأَمَّا مَا يَدْخُلُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ بِسُنَّتِهِ الثَّابِتَةِ عَنْهُ وَبِإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ .
ثُمَّ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ مَنْ لَا يُسَمِّي هَذَا " زِيَارَةً لِقَبْرِهِ " بَلْ يَكْرَهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ ؛ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَقُولَ : إنَّ ذَلِكَ سَفَرٌ إلَى قَبْرِهِ .
وَقَدْ صَرَّحَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِثْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إلَى هُنَاكَ إذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 245
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٥