الْحَرَامِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِبُقْعَةِ مُعَيَّنَةٍ لَيْسَ كَالِاعْتِكَافِ فَإِنَّ الْمُعْتَكِفَ يَخْرُجُ مِن المَسْجِدِ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ : كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي حَالِ خُرُوجِهِ مِن المَسْجِدِ لَيْسَ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنْ يُبَاشِرَ النِّسَاءَ وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .
وَقَوْلُهُ : { فِي الْمَسَاجِدِ } يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ : { عَاكِفُونَ } لَا بِقَوْلِهِ : { تُبَاشِرُوهُنَّ } .
فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا تَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ .
وَلَا لِغَيْرِهِ بَلْ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ إذَا خَرَجَ مِنْهُ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ .
فَلَمَّا كَانَ هَذَا يُشْبِهُ الِاعْتِكَافَ وَالْحَائِضُ تَخْرُجُ لِمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ فَلَمْ يَقْطَعْ الْحَيْضُ اعْتِكَافَهَا وَقَدْ جَمَعَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْعُكُوفِ وَالطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِ بَيْتِهِ بِقَوْلِهِ : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } فَمَنْعُهُ مِن الحُيَّضِ مِنْ تَمَامِ طَهَارَتِهِ وَالطَّوَافُ كَالْعُكُوفِ لَا كَالصَّلَاةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُبَاحُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ لَا تَخْتَصُّ بِمَسْجِدِ وَيَجِبُ لَهَا وَيَحْرُمُ فِيهَا مَا لَا يَحْرُمُ فِي اعْتِكَافٍ وَلَا طَوَافٍ .
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ : أَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مِن العِبَادَاتِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ لَا تَخْتَصُّ بِالْإِحْرَامِ وَلِهَذَا كَانَ طَوَافُ الْفَرْضِ إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَيَطُوفُ الْحَاجُّ الطَّوَّافَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْله تَعَالَى
مجموعة الفتاوى — صفحة 216
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٦