ثُمَّ لِهَذَا الْقَوْلِ تَفْسِيرَانِ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَبَاقِيَ الشُّهُورِ هِلَالِيَّةً .
فَإِذَا كَانَ الْإِيلَاءُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ حَسَبَ بَاقِيَهُ .
فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصاً أَخَذَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً وَكَمَّلَهُ بستة عَشَرَ يَوْماً مِنْ جُمَادَى الْأُولَى .
وَهَذَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ .
وَالتَّفْسِيرُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيماً وَحَدِيثاً أَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ كَامِلاً كَمُلَ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَإِنْ كَانَ نَاقِصاً جُعِلَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْماً .
فَمَتَى كَانَ الْإِيلَاءُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ كَمُلَتْ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ فِي مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْأُولَى .
وَهَكَذَا سَائِرُ الْحِسَابِ .
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْجَمِيعُ بِالْهِلَالِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَدَدِ بَلْ نَنْظُرُ الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ الْمَبْدَأُ مِن الشَّهْرِ الْأَوَّلِ .
فَتَكُونُ النِّهَايَةُ مِثْلَهُ مِن الشَّهْرِ الْآخَرِ .
فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِن الشَّهْرِ الْأَوَّلِ كَانَتْ النِّهَايَةُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ بَعْدَ كَمَالِ الشُّهُورِ وَهُوَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ بَعْدَ انْسِلَاخِ الشُّهُورِ ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِن المُحَرَّمِ كَانَتْ النِّهَايَةُ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِن المُحَرَّمِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ الشُّهُورِ الْمَحْسُوبَةِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ .
وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } فَجَعَلَهَا مَوَاقِيتَ لِجَمِيعِ النَّاسِ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الشُّهُورِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يَقَعُ فِي أَوَائِلهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِيقَاتاً إلَّا لِمَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 144
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٤