اللَّهُ بِهِ الْقَائِمِينَ بِحُجَّةِ اللَّهِ وَبَيِّنَاتِهِ الَّذِينَ يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِهِ أَهْلَ الْعَمَى فَإِنَّ الْأَرْضَ لَنْ تَخْلُوَ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةِ ؛ لِكَيْلَا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ .
وَكَانَ مُقْتَضَى تَقْدِيمِ هَذِهِ " الْمُقَدِّمَةِ " أَنِّي رَأَيْت النَّاسَ فِي شَهْرِ صَوْمِهِمْ وَفِي غَيْرِهِ أَيْضاً : مِنْهُمْ مَنْ يُصْغِي إلَى مَا يَقُولُهُ بَعْضُ جُهَّالِ أَهْلِ الْحِسَابِ : مِنْ أَنَّ الْهِلَالَ يُرَى أَوْ لَا يُرَى .
وَيَبْنِي عَلَى ذَلِكَ إمَّا فِي بَاطِنِهِ وَإِمَّا فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ .
حَتَّى بَلَغَنِي أَنَّ مِن القُضَاةِ مَنْ كَانَ يَرُدُّ شَهَادَةَ الْعَدَدِ مِن العُدُولِ لِقَوْلِ الْحَاسِبِ الْجَاهِلِ الْكَاذِبِ : إنَّهُ يُرَى أَوْ لَا يُرَى .
فَيَكُونُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ .
وَرُبَّمَا أَجَازَ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمَرْضِيِّ لِقَوْلِهِ .
فَيَكُونُ هَذَا الْحَاكِمُ مِن السَّمَّاعِينَ لِلْكَذِبِ .
فَإِنَّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ حُكَّامَ السُّوءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ حَيْثُ يَقُولُ : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } وَحُكَّامُ السُّوءِ يَقْبَلُونَ الْكَذِبَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِهِ مِنْ مُخْبِرٍ أَوْ شَاهِدٍ .
وَيَأْكُلُونَ السُّحْتَ مِن الرِّشَا وَغَيْرِهَا .
وَمَا أَكْثَرُ مَا يَقْتَرِنُ هذان .
وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَقْبَلُ قَوْلَ الْمُنَجِّمِ لَا فِي الْبَاطِنِ وَلَا فِي الظَّاهِر ؛ لَكِنْ فِي قَلْبِهِ حَسِيكَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَشُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ لِثِقَتِهِ بِهِ : مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَلْتَفِتْ إلَى ذَلِكَ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ شَيْئاً مِنْ حِسَابِ النَّيِّرَيْنِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 131
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣١